فهرس الكتاب
أهل المملكة، ويطلبون عقوبتهم بمجرد الدعوى. وكانت رسلهم تنزل بباردو وبدار الضيوف بتونس، ويلاقي المأمورون بهم من شدة التعسف والعنف ما يستفز طبع الحليم. وحمودة باشا في خلال ذلك يتجرع الغصص و بجرعها لرعيته، واذا اشت کت العربان من عسف ابازيريين يقول لهم: و لم آجد من اتحزم به منکم علي دفع هذا الضيم»، فتنفعل نفوسسهم، حتي توغارت صدورهم، واشتملوا على بغض الجزيريين. والظالم مبغوض بالطبع، والله لا يحب الظالمين. وفي أثناء ذلك وفد الحاج مصطفى أنقليز، باى قسنطينة، طريدا بعد عزله، ومعه ابنه علي، فأحسن الباي قبوله، وأكرم نزله، وأعطاه بستانا بمنوبة، ووعده الاعادة لولايته؛ فغاظ دلك صاحب الجزائر، فتعلل بارسال عدد من البقر يطلب بيعه بتونس، وعين الثمن في كتابه، بصيغة صريحة في الإمرة، على غير الاسلوب الذي اعتيد منهم، من لطف الخطاب، وتلوين الامرة بمقتضيات المحبة، فأنف لذلك وامتلأ حوضه، وضعف تجلده، وجمع رجال دولته و کلمهم في هذا الامر، فقال له وزيره رئيس الکتبة أبو عبد الله محمد الاصرم: «نساعد أحواليا ولا نقطع سياستنا، فانها أحسن من حرب)، فقال له الوزير يوسف صاحب الطابع: و عظم الامر واتسع الخرق، والمساعدة هي التي أوصلتنا لهذه الدرجة من المعرة، فان سيدنا سمسار لصاحب الجزائر، وليته وقف عند السمسرة، بل هو محكوم عليه بأداء مال معين، ودفعه بظلم رعيته كدفعه من خزانته، فأجابه الشيخ رئيس الکتاب بقوله: «آيا شيء يفعل سيدنا؟ اتري آن يخاطر براسه؟ فقال له صاحب الطابع: (سيدنا لا يخاطر برأسه، وأنا لا أخاطر برأسي، وأنت لا تخاطر برأسك، ونكون آلة ظلم الجزائر لاهل تونس، ولا يخفاك أن الظلم من أقوى الاسباب علي ايراة، فنخشي آن الرعية تنظر لنفسها حاميا يقيها، ووجوه النظر کثيرة،