فهرس الكتاب
وأما تعديه بحرف فالحرف الذي يتعدى به حرفان: أحدهما: الباء كقوله تعالى: سأل سائل بعذاب واقع والآخر: عن قولك: سل عن زيد .
فإذا تعدى إلى مفعولين كان على ثلاثة أضرب: أحدهما: أن يكون بمنزلة أعطيت وذلك كقوله: سألت زيدًا بعد بكر حقنا بمعنى: استعطيه هذا أي: سألته أن يفعل ذلك .
والآخر: أن يكون بمنزلة: اخترت الرجال زيدًا ولا يسأل حميم حميمًا .
فالمعنى هاهنا: ولا يسأل حميم عن حميمه لذهوله عنه واشتغاله بنفسه كما قال الله تعالى: لكل امرئ منهم يومئذ شأن والثالث: أن يتعدى إلى مفعولين فيقع موقع المفعول الثاني منهما استفهام وذلك كقوله تعالى: سل بني إسرائيل كم آتيناهم من آية بينة وقوله تعالى: واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا أجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون .
فأما قول الأخطل: واسأل بمصقلة البكري ما فعلا فما استفهام وموضعه نصب بفعل ولا يكون ما جرًا على البدل من مصقلة على تقدير: سل بفعل مصقلة ولكن بجعله مثل الآيتين اللتين تلوناهما .
وإن شئت جعلته بدلًا فكان بمنزلة قوله: فاسألوا أهل الذكر .
ولو جعلت المفعول مرادًا محذوفًا من قوله: واسأل بمصقلة فأردت: واسأل الناس بمصقلة ما فعل لم يسهل أن يكون ما استفهامًا لأنه لا يتصل بالفعل .
ألا ترى انه قد استوفى مفعوليه فلا تقع الجملة التي هي استفهام موقع أحدهما .
كما تقع موقعه في قوله تعالى: سل بني إسرائيل كم آتيناهم من آية بينة .
فإن جعلت ما موصولة وقدرت فيها البدل من مصقلة لم يمتنع .
وإن قلت: أجعل قوله ما فعل استفهامًا وأضمر قل لأني إذا قلت: أسأل الناس بمصقلة فإنه يدل على قل لأن السؤال قولٌ فأحمله على هذا الفعل لا على أنه في موضع المفعول لاستغناء الفعل بمفعوليه فهو قوله يدل على ذلك قوله تعالى: يسألونك عن الساعة أيان مرساها .
ألا ترى أنه قد استوفى مفعوليه أحدهما الكاف والآخر قد تعدى إليه الفعل بعن فلا يتعلق به أيان إلا على الحد الذي ذكرناه وهو أن نقدر يسألونك عن الساعة قائلين: أيان مرساها وأما قوله: سأل سائل بعذاب واقع فكان المعنى: سأل سائل النبي صلى الله عليه وآله والمسلمين بعذاب واقع فلم يذكر المفعول الأول .
وسؤالهم عن العذاب إنما هو استعجالهم له لاستبعادهم لوقوعه ولردهم ما يوعدون به منه .