فهرس الكتاب
ألا ترى أنك إذا قلت: وليت الحائط ووليت الدار لم يكن في فعلت منه دلالة على أنك واجهته كما أنك في قولهم: وليتك القبلة ووليتك المسجد الحرام دلالة على أن المراد واجهته ف فعلت في هذه الكلمة ليس بمنقول من فعلت الذي هو وليت فيكون على حد قولك: فرح وفرحته ولكن هذا المعنى الذي هو المواجهة عارض في فعلت ولم يكن في فعلت .
وإذا كان كذلك كان فيه دلالة على أن النقل لم يكن من فعلت كما كان قولهم: ألقيت متاعك بعضه على بعض لم يكن النقل فيه من: لقي متاعك بعضه بعضًا ولكن ألقيت كقولك أسقطت .
ولو كان منه زاد مفعول آخر في الكلام ولم يحتج في تعديته إلى المفعول الثاني إلى حرف الجر وإلحاقه المفعول الثاني في قولك: ألقيت بعض متاعك على بعض كما لم يحتج إليه في ضرب زيد عمرًا وأضربته إياه ونحو ذلك .
وكذلك: وليتك قبلة من قولك: وليت كألقيت من قولك: لقيت .
وقال عز وجل: فلنولينك قبلة ترضاها فول وجهك شطر المسجد الحرام فهذا على المواجهة له ولا يجوز على غير المواجهة مع العلم أو غلبة الظن الذي ينزل منزلة العلم في تحري القبلة .
وقد جاءت هذه الكلمة مستعملة على خلاف المقابلة والمواجهة وذلك في نحو قوله: ثم توليتم إلا قليلًا منكم وأنتم معرضون ثم توليتم من بعد ذلك فلولا فضل الله عليكم ورحمته عبس وتولى أن جاءه الأعمى أي: أعرض عنه .
وقال عز وجل: وتولى عنهم وقال يا أسفي على يوسف .
فأعرض عمن تولى عن ذكرنا .
فهذا مع دخول الزيادة للفعل في غير الزيادة .
قوله تعالى: ثم وليتم مدبرين .
فالحال مؤكدة لأن في توليتم دلالة على أنهم مدبرين فهذا على نحوين: أما ما لحق التاء أوله فإنه يجوز أن يكون من باب تحوب وتأثم إذا ترك الحوب والإثم وكذلك إذا ترك الجهة التي هي المقابلة .
ويجوز أن تكون الكلمة استعملت على الشيء وعلى خلافه كالحروف المروية في الأضداد .
فأما قوله تعالى: لئن يقاتلوكم يولوكم الأدبار وقوله: وإن نصروهم ليولن الأدبار وقوله: سيهزم الجمع ويولون الدبر .
فهذا منقول من فعل تقول داري تلي داره ووليت داري داره فإذا نقلته إلى فعل قلت: وليت مآخيره وولاني مآخيره ووليت ميامنه وولاني ميامنه فهو مثل: فرح وفرحته وليس مثل: لقي وألقيته ولقيته .
وقوله: ليولن الأدبار وقوله: ويولون الدبر المفعول الثاني في نقل فعل إلى فعل محذوف ولو لم يحذف كان كقوله: يولوكم الأدبار .