فهرس الكتاب
وأما قوله تعالى: وإن تلوا أو تعرضوا فيمن قرأ تلوا فمعناه والله أعلم: الإقبال عليهم والمقاربة لهم في العدل في قسمهم .
ألا ترى أنه قد عودل بالإعراض في قوله تعالى: أو تعرضوا فكان قوله: وإن تلوا كقوله: إن أقبلتم عليهم ولم تعرضوا عنهم .
فإن قلت: فهل يجوز أن يكون في تلوا دلالة على المواجهة فتجعل قوله فلنولينك منقولًا من هذا ثم اقتضى المواجهة وتستدل على ذلك بمعادلته: على خلاف الذي هو الإعراض .
فالقول إن ذلك في هذه الكلمة ليس بالظاهر ولا في الكلمة دلالة على هذه المخصوصية التي جاءت في قوله: فلنولينك قبل ترضاها .
وإذا لم يكن عليها دلالة لم يصرفها عن الموضع الذي جاء فيه فلم يتعدها إلى سواها .
وقوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله ورسوله ولا تولوا عنه فالضمير في عنه إذا جعلته للرسول احتمل أمرين: لا تولوا عنه: لا تنفضوا عنه كما قال: انفضوا إليها وتركوك قائمًا .
وقال: وإذا كانوا معه على أمر جامع لم يذهبوا حتى يستأذنوه .
وقال: قد يعلم الله الذين يتسللون منكم لواذًا .
وعلى هذا المعنى قوله تعالى: بعد أن تولوا مدبرين أي: بعد أن تتفرقوا عنها .
ولا يكون لا تولوا عنه: لا تعرضوا عن أمره وتلقوه بالطاعة والقبول .
كما قال عز وجل: فليحذر الذين يخالفون عن أمره .
ومن إضمار المفعول قوله تعالى: فمن شهد منكم الشهر فليصمه المعنى: فمن شهد منكم المصر في الشهر .
فحذف المفعول لابد من تقديره لأن المسافر شاهد الشهر ولا يلزمه الصوم بل يجوز له الإفطار فانتصاب الشهر على الظرف وإنما قال: فليصمه: ولم يقل فليصم فيه والظروف إذا كنى عنها رد حرف الظرفية معها لأنه قد اتسع فيها ونصبه نصب المفعول بعد أن استعمله ظرفًا .
واعلم أن شهد فعل استعمل على ضربين: أحدهما: الحضور: والآخر: العلم .
فالذي معناه الحضور يتعدى إلى مفعول .
ويدل على ذلك قوله: لو شهد عاد في زمان عاد وقوله: ويومًا شهدناه سليمًا وعامرًا ومن ذلك قوله: شهدنا فما نلقى به من كتيبة يد الدهر إلا جبرائيل أمامها فهذا محذوف المفعول التقدير فيه: شهدنا المعركة أو: من تجمع لقتالنا .
ومنه قوله: لقد شهدت قيس فما كان نصرها قتيبة إلا عضها بالأباهم فهذا الضرب المتعدي إلى مفعول واحد إذا نقل بالهمزة تعدى إلى المفعولين تقول: شهد زيد المعركة وأشهدته إياها .