فهرس الكتاب
فمن هذا قوله: ما أشهدتهم خلق السموات والأرض لما نقل بالهمزة صار الفاعل مفعولًا والتقدير: ما أشهدتهم فعلي .
والفعل في أنه مفعول ثان وإن كان غير عين مثل زيد ونحوه من الأسماء المختصة .
وقالوا امرأة مشهد إذا كان زوجها شاهدًا لم يخرج في بعث من غزو وغيره .
وامرأة مغيب إذا لم يشهد زوجها فكأن المعنى: ذات غيبة أي ذات غيبة وليها وذات شهادة وليها .
والشهادة خلاف الغيبة قال الله تعالى: عالم الغيب والشهادة .
فهذا المعنى في قريب من قوله: ويعلم ما تخفون وما تعلنون ويعلم سركم وجهركم .
وأما شهدت الذي بمعنى علمت فيستعمل على ضربين: أحدهما: أن يكون قسمًا .
والآخر أن يكون غير قسم .
فاستعمالهم إياه قسمًا كاستعمالهم: ولقد علمت لتأتين منيتي إن المنايا لا تطيش سهامها وتقول: أشهد بالله إنك لذاهب وأشهد إنك لذاهب .
قال: وحدثنا أبو الحسن أن محمدًا قال: إن زفر يذهب إلى أنه إذا قال: أشهد بالله كان يمينًا فإن قال أشهد ولم يقل بالله لم يره يمينًا .
قال: وقال محمد: أشهد غير موصولة بقولك بالله في أنه يمين كقولك: أشهد بالله .
وقال: واستشهد محمد على ذلك بقوله: قالوا نشهد إنك لرسول الله .
وقال: والله يشهد إن المنافقين لكاذبون اتخذوا أيمانهم جنة .
فجعله يمينًا ولم يوصل بقوله بالله .
وأما شهدت الذي يراد به علمت ولا يراد به اليمين فهو ضرب من العلم مخصوص وكل شهادة علم وليس كل علم شهادة .
ومما يدل على اختصاصها بالعلم انه لو قال عند الحاكم: أعلم أن لزيد على عمرو عشرة .
لم يحكم به حتى يقول: أشهد .
فالشهادة مثل التيقن في أنه ضرب من العلم مخصوص وليس كل علم تيقنًا وإن كان كل تيقن علمًا وكان التيقن هو العلم الذي عرض لعالمه إشكال فيه .
نتبين ذلك في قصة ابراهيم عليه السلام وليكون من الموقنين ويبين ذا قول رؤبة: فلو لم يكن في المستيقن زيادة معنى لم يكن في الوصف الأول لم يحسن هذا الكلام وكان غير مفيد وهذا كقول زهير: فلأيًا عرفت الدار بعد توهم وقال بعد: فلما عرفت الدار أي: عرفتها بعد إشكال أمرها والتباسها علي .
وعلى هذا قول الآخر: حيوا الدار وحيوا ساكن الدار ما كدت أعرف إلا بعد إنكار وكان معنى: أشهد أيها الحاكم على كذا أي: أعلمه علمًا يحضرني قد تذلل لي فلا أتوقف عنه ولا أتلبث فيه لوضوحه عندي وتبينه لي وليس كذلك سبيل المعلومات كلها .