فهرس الكتاب
قال أبو محمد: ففى هذا الفصل من السخف غير قليل ، وبيان لا يحتمل تأويلًا ، لأن فيه البداء ، وأنه ـ تعالى عما يقولون علوًا كبيرًا ـ قال: إنه لا يمضى معهم ، لكن يبعث معهم ملكًا يبصرهم بأمر الله تعالى ، فلم يزل به موسى حتى رجع عن ما قال عز وجل وقال: سأمضى معكم ، ولم يقنع موسى بمسير الملك معهم إلا بمسير البارى عز وجل معهم ، وفى هذا تحقيق النقلة على البارى في الأماكن ، وليست هذه صفة الله تعالى وإنما هى صفات المخلوقين . وفيه التكليم فمًا لفم وتحقيق التجسيم ، والتناقض على البارئ تعالى في كلامه وفعله دون تأويل ، ولا مخرج لهم من هذا .
فلو فكر هذا الوقاح الزنديق في مثل هذا وشبهه ، لزجره عن التعرض لما لا سبيل له إليه ، وحسبنا الله ونعم الوكيل .
ولو أن هذا الزنديق المائق كان له أقل تحصيل ، لما أقدم على المظاهرة بهذا الدين الخسيس طرفة عين ، ولكن لم يقره الشيطان من كل ما استبان له من هذا البهتان إلا انسلاخه من جميع الأديان ، وبالله تعالى نعوذ من الخذلان .
الفصل السادس
ثم ذكر هذا الزنديق الجاهل قول الله تعالى مخاطبًا لنبيه عليه السلام ( فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك الكتاب فاسأل الذين يقرأون الكتاب من قبلك ، لقد جاءك الحق من ربك ) [يونس 94] قال هذا المجنون: فهذا محمد كان في شك مما ادعاه .
قال أبو محمد: كان يلزم هذا الخسيس أن لا يتكلم في لغة لا يحسنها ، ولكن أبى الله تعالى إلا أن يكشف سوءته ويبدى عورته .
وليعلم أن ( إن ) فى هذه الآية ليست التى بمعنى الشرط ، لأن من المحال العظيم الذى لا يتمثل في فهم من له مسكة أن يكون إنسان يدعو إلى دين يقاتل عليه وينازع فيه أهل الأرض ويدين به أهل البلاد العظيمة ثم يقول لهم: إنى في شك مما أقاتلكم عليه أيها المخالفون ولست على يقين مما أدعوكم إليه وأحققه لكم أيها التابعون .. إلى مثل هذا السخف الذى لا يتصور إلا في مثل دماغ هذا المجنون الجاهل .