فهرس الكتاب
قال أبو محمد: فلو تدبر هذا اللعين الجاهل كذبهم في هذا الفصل ، لردعه عن أن يظن بقول الله تعالى لنبيه عليه السلام ( فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك ) ، وليعلم أن الشك المجرد قد نسبوه إلى موسى ـ عليه السلام ـ في هذا الفصل ، فإنه لم يثق بقول ربه ولا صدق قدرته على إطعام بنى إسرائيل اللحم شهرًا كاملًا ، وهذا مع ما فيه من الشك المكشوف الذى لا يجوز أن يخرج له تأويل يبعده عن الشك ، ففيه من السخف غير قليل ، لأن من رأى شق البحر ، وإنزال المن المشبع لهم ، فواجب عليه أن لا يستعظم إشباعهم بلحم ينزله عليهم . ولكن الكذب والتوليد لا يكون إلا هكذا ليفضح الله تعالى به أهله . والحمد لله على ما من به علينا من طهارة الإسلام ، ووضوح حجته ، وله الشكر على ما كفانا من دنس الكفر وتناقض عمراه .
وبعد هذا الفصل أيضًا في السفر الرابع ما ذكره من قول الله تعالى لموسى عليه السلام إذ ضج بنو إسرائيل من دخول الأرض المقدسة ، قالوا: فقال السيد لموسى بن عمران: حتى متى تتناولنى هذه الأمة التى لا يؤمنون بى على ما آتيتهم من العجائب التى فعلت أمامهم ، سأضربهم بالوبأ حتى أمسخهم ، وأجعلك مقدمًا على أمة عظيمة أشد قوة من هذه . وأن موسى لم يزل يرغب إلى الله عز وجل حتى قال: قد غفرت لك كما سألتنى . ففى هذا الفصل من إطلاق الكذب في الحلف على الله عز وجل ما لا يجوز أن ينسب مثله إليه تعالى .
وقد ذكرنا في كتابنا الموسوم بـ ( الفصل في الملل والنحل ) الفصل الذى في توراتهم في ذكر أنسابهم ، وبينا عظيم الكذب فيه: وهو أنهم ذكروا أن سبعة نفر من بنى إسرائيل من ولد قاهث بن لاوى نسلوا ثمانية آلاف ذكر قبل موتهم في التيه ، وأولئك السبعة أحياء قائمون وهم حينئذ أكثر ما كانوا .
وقد قال بعضهم: إن هذا من المعجزات . فأجبناه بأن المعجزات إنما تكون للأنبياء عليهم السلام ، وأما لكفار عاصين فلا .