ولعمرى إن اعتراضه الذى اعترض به ليدل على ضيق باعه في العلم ، وقلة اتساعه في الفهم ، على ما عهدناه عليه قديمًا ، فإننا ندريه عاريًا إلا من المخرقة ، سليمًا إلا من الكذب ، صفرًا إلا من البهت ، وهذه عقوبة الله تعالى المعجلة لمن سلك مسلك هذا الزنديق اللعين مقدمة ، أما ما أعد الله له ولأمثاله من الخلود في نار جهنم ، فهو المقر لعيون أولياء الله ـ عز وجل ـ فيه وفى ضربائه ، وبالله تعالى التوفيق ، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم .
الفصل الأول
فكان أول ما اعترض به هذا الزنديق المستسر باليهودية على القرآن بزعمه: أن ذكر قول الله عز وجل ( وإن تصبهم حسنة يقولوا هذه من عند الله ، وإن تصبهم سيئة يقولوا هذه من عندك ) [النساء 78] . قال هذا المائق الجاهل: فأنكر في هذه الآية تقسيم القائلين بأن ما أصابهم من حسنة فمن الله ، وما أصابهم من سيئة فمن عند محمد ، وأخبر أن كل ذلك من عند الله . قال: ثم قال في آخر هذه الآية: ( ما أصابك من حسنة فمن الله ، وما أصابك من سيئة فمن نفسك ) [النساء 79] . قال هذا الزنديق الجاهل: فعاد مصوبًا لقولهم ومضادًا لما قدم في أول الآية .
قال أبو محمد بن حزم: لو كان لهذا الجاهل الوقاح أقل بسطة أو أدنى حظ من التمييز لم يعترض بهذا الاعتراض الساقط الضعيف . والآية المذكور مكتفية بظاهرها عن تكلف تأويل ، مستغنية ببادى ألفاظها عن تطلب وجه لتأليفها ، ولكن جهله أعمى بصيرته ، وطمس إدراكه .