وبيان ذلك أن الكفار كانوا يقولون: إن الحسنات الواصلة إليهم هى من عند الله عز وجل ، وأن السيئات المصيبة لهم في دنياهم هى من عند محمد صلى الله عليه وسلم ، فأكذبهم الله تعالى في ذلك ، وبين وجه ورود حسنات الدنيا وسيئاتها على كل من فيها ، بأن الحسنات السارة هى من عند الله تعالى بفضله على الناس ، وأن كل سيئة يصيب الله تعالى بها إنسانًا في دنياه فمن قبل نفس المصاب بها بما يجنى على نفسه من تقصيره فيما يلزمه من أداء حق الله تعالى الذى لا يقوم به أحد ، وكل ذلك من عند الله جملة .
فأحد الوجهين ـ وهو الحسنات ـ فضل من الله تعالى مجرد ، لم يستحقه أحد على الله تعالى ، حتى يفضل به عز وجل من أحسن إليه من عباده . والوجه الثانى ـ وهو السيئات ـ تأديب من الله تعالى ، أوجبه على المصاب بها تقصيره عما يلزمه من واجبات ربه تعالى .
ولا يستوحش مستوحش فيقول: كيف يكون النبى ـ صلى الله عليه وسلم ـ المخاطب بهذا الخطاب مقصرًا في أداء واجب ربه تعالى ؟
فليعلم أن التقصير ليس يكون معصية في كل وقت ، وإنما يكون النبى ـ عليه السلام ـ منزهًا عن تعمد المعصية صغيرها وكبيرها ، وأما تأدية شكر الله تعالى وجميع حقوقه على عباده ، فهذا ما لا يستوفيه مَلَك ولا نبى ، فكيف من دونهما ، كما أخبر رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ: ( إن أحدكم لا يدخل الجنة بعمله ) فقيل له: ولا أنت يا رسول الله ؟ فقال: ( ولا أنا إلا أن يتغمدنى الله برحمته ) ، أو كما قال عليه السلام .
فإنما أنكر الله تعالى على الكفار في الآية المتلوة آنفًا قولهم للنبى عليه السلام: إن ما أصابهم من سيئة فهى منك يا محمد ، وأخبر عم وجل أنها من عند أنفسهم ، وأن كل ذلك من عند الله تعالى .
فلم يفرق المجنون بين ما أوجبه الله تعالى من أن كل من أصابته سيئة فمن نفسه ، وبين ما ذكر الله تعالى من قول الكفار لمحمد صلى الله عليه وسلم: إن ما أصابهم من سيئة فمنك يا محمد !