وتأمل أحوال الرسول ? وأصحابه ، فإنهم كانوا كلما ترقَّوا إلى القرب في مقام عظُم جهادهم واجتهادهم ، لا كما ظنه بعض الملاحدة المنتسبين إلى الطريق حيث قال: القرب الحقيقي ينقل العبد من الأحوال الظاهرة إلى الأعمال الباطنة ، ويريح الجسد والجوارح من كد العمل؛ وهؤلاء أعظم كفرًا وإلحادًا ؛ حيث عَطَّلوا العبودية ، وظنوا أنهم استغنوا عنها بما حصل لهم من الخيالات الباطلة التي هي أماني النفس ، وخُدع الشيطان .
وقد صرح أهل الاستقامة وأئمة الطريق بكفر هؤلاء، فأخرجوهم من الإسلام ، وقالوا: لو وصل العبد من القرب إلى أعلى مقام يناله العبد لما سقط عنه من التكليف مثقال الذرة ؛ أي: ما دام قادرًا عليه.
ولا تُصغ إلى قول ملحد قاطع للطريق في قالب عارف ، يقول:
إن منزلة القرب تنقل العبد من الأعمال الظاهرة إلى الأعمال الباطنة . وتَحمل الاستهانة بالطاعات الظاهرة ، وتريحه من كد القيام بها . اهـ
قلت: وقد صنف أكثرُ من واحد من أهل العلم في الترغيب والترهيب مصنفًا مستقلًا يدل بوضوح ، أن هذا المنهج مشهور بينهم .
ومنهم الأصفهاني ، والمنذري ـ رحمهما الله تعالى ـ .
وأنقل من مقدمة المنذري ـ رحمه الله ـ لكتاب (الترغيب والترهيب) الذي يوضح فيها سبيل السالكين السائرين إلى جنات رب العالمين وأرحم الراحمين .
قال ـ رحمه الله ـ:
الحمد لله المبدئ المعيد ، الغني الحميد ، ذو العفو الواسع والعقاب الشديد ، قسم الخلق قسمين ، وجعل لهم منزلتين:
فريق في الجنة وفريق في السعير ، إن ربك فعال لما يريد ، ورغَّب في ثوابه ، ورهَّب من عقابه ...
سألني بعض الطلبة أولى الهمم العالية ، ممن اتصف بالزهد في الدنيا والإقبال على الله عز وجل بالعلم والعمل ، زاده الله قربًا منه وعزوفًا عن دار الغرور ؛ أن أُملي كتابًا جامعًا في:
الترغيب والترهيب ، مجردًا عن التطويل .
هدي الرسول في عبادته