فهرس الكتاب
وقد روي عن ابن مسعود -رضي الله عنه- قال:"الصبر نصف الإيمان، واليقين الإيمان كله" [1] .
ولا شك أن من كان موقنا بمعنى الشهادتين، فإن جوارحه تنبعث لعبادة الرب وحده، ولطاعة الرسول عليه الصلاة والسلام.
الشرط الثالث: القبول المنافي للرد: فإن هناك من يعلم معنى الشهادتين، ويوقن بمدلولهما ولكنه يردهما كبرا وحسدا، وهذه حالة علماء اليهود والنصارى فقد شهدوا بإلهية الله وحده، وعرفوا محمدا -صلى الله عليه وسلم- كما يعرفون أبناءهم، ومع ذلك لم يقبلوه: { حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ } [ سورة البقرة، الآية: 109 ] .
وهكذا كان المشركون يعرفون معنى لا إله إلا الله، وصدق محمد -صلى الله عليه وسلم- ولكنهم يستكبرون عن قبوله، كما قال تعالى: { إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ } [ سورة الصافات، الآية: 35 ] وقال تعالى: { فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ }
[ سورة الأنعام، الآية: 33 ] .
الشرط الرابع: الانقياد: ولعل الفرق بينه وبين القبول، أن الانقياد: هو الاتباع بالأفعال، والقبول: إظهار صحة معنى ذلك بالقول، ويلزم منهما جميعا الاتباع ولكن الانقياد هو الاستسلام والإذعان وعدم التعقب لشيء من أحكام الله. قال الله تعالى: { وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ } [ سورة الزمر، الآية: 54 ] وقال تعالى: { وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ } [ سورة النساء، الآية: 125 ] وقال تعالى: { وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى }
[ سورة لقمان، الآية: 22 ] .
(1) ذكره البخاري تعليقا كما في الفتح: 1/60، وقال الحافظ: وصله الطبراني بسند صحيح، وأبو نعيم في الحلية.