الصفحة 57 من 62

وقد روي عن ابن مسعود -رضي الله عنه- قال:"الصبر نصف الإيمان، واليقين الإيمان كله" [1] .

ولا شك أن من كان موقنا بمعنى الشهادتين، فإن جوارحه تنبعث لعبادة الرب وحده، ولطاعة الرسول عليه الصلاة والسلام.

الشرط الثالث: القبول المنافي للرد: فإن هناك من يعلم معنى الشهادتين، ويوقن بمدلولهما ولكنه يردهما كبرا وحسدا، وهذه حالة علماء اليهود والنصارى فقد شهدوا بإلهية الله وحده، وعرفوا محمدا -صلى الله عليه وسلم- كما يعرفون أبناءهم، ومع ذلك لم يقبلوه: { حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ } [ سورة البقرة، الآية: 109 ] .

وهكذا كان المشركون يعرفون معنى لا إله إلا الله، وصدق محمد -صلى الله عليه وسلم- ولكنهم يستكبرون عن قبوله، كما قال تعالى: { إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ } [ سورة الصافات، الآية: 35 ] وقال تعالى: { فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ }

[ سورة الأنعام، الآية: 33 ] .

الشرط الرابع: الانقياد: ولعل الفرق بينه وبين القبول، أن الانقياد: هو الاتباع بالأفعال، والقبول: إظهار صحة معنى ذلك بالقول، ويلزم منهما جميعا الاتباع ولكن الانقياد هو الاستسلام والإذعان وعدم التعقب لشيء من أحكام الله. قال الله تعالى: { وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ } [ سورة الزمر، الآية: 54 ] وقال تعالى: { وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ } [ سورة النساء، الآية: 125 ] وقال تعالى: { وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى }

[ سورة لقمان، الآية: 22 ] .

(1) ذكره البخاري تعليقا كما في الفتح: 1/60، وقال الحافظ: وصله الطبراني بسند صحيح، وأبو نعيم في الحلية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت