الصفحة 48 من 1502

باب في تعريف التاريخ بيان معناه و فضيلته، و في أدب المؤرخ

أقول و باللّه التوفيق: قد كثرت الأقوال في تعريف التاريخ، و بيان فضيلته، و أحسن ما وقفت عليه من ذلك، ما نقله صاحب كتاب «غرر المحاضرة، و درر المكاثرة» ، و هو الشيخ الإمام المؤرّخ تاج الدّين علىّ بن أنجب المعروف بابن الخازن، فإنه قال في كتابه المذكور:

قال العلماء: التاريخ معاد معنوىّ؛ لأنه يعيد الأعصار و قد سلفت، و ينشر أهلها و قد ذهبت آثارهم و عفت، و به يسيتفيد عقول التجارب من كان غرّا، و يلقى آدم و من بعده من الأمم و هلمّ جرّا، فهم لديه أحياء و قد تضمّنتهم بطون القبور، و غيّاب و هم عنده في عداد الحضور، و لو لا التاريخ لجهلت الأنساب، و نسيت الأحساب، و لم يعلم الإنسان أن أصله من تراب، و كذلك لولاه لماتت الدّول بموت زعمائها، و عمّى على الأواخر حال قدمائها.

و لمكان العناية به لم يخل منه كتاب من كتب اللّه المنزّلة، فمنها ما أتى بأخباره المجملة، و منا ما أتى/بأخباره المفصّلة. و قد ورد في التّوراة سفر من أسفارها، يتضمّن أحوال الأمم السّالفة و مدد أعمارها.

و كانت العرب على جهلها بالقلم و خطّه، و الكتاب و ضبطه، تصرف إلى التواريخ جلّ دواعيها، و تجعل لها أوفر حظّ من مساعيها، و تستغنى بحفظ قلوبها عن حفظ مكتوبها، و تعتاض برقم صدورها، عن رقم مسطورها، كلّ ذلك عناية بأخبار أوائلها، و أيّام فضائلها، فهل للإنسان إلاّ ما أسّسه و بناه، و هل البقاء لصورة لحمه و دمه لو لا بقاء معناه. انتهى.

و أمّا أدب المؤرّخ، فقد ذكر ابن السّبكىّ في «طبقاته الكبرى» له قاعدة حسنة، فقال 1: قاعدة في المؤرّخين نافعة جدّا، فإن أهل التاريخ ربّما وضعوا من أناس، أو رفعوا

1)طبقات الشافعية الكبرى 2/ 22 - 25، و قد اختصر الصفدى فوائد هذا الفصل أيضا في الوافى بالوفيات 1/ 46، 47.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت