الحجّة على ضدّ ما تيقنت صحته، وإن كان هذا قولًا صحيحًا. ولكنا نقول لهم: هاتوا كل ما تحتجون به في إثباته، ثم علينا نقضه كله بحول الله تعالى وقوّته؛ ثقة متا بوضوح الأمر في إبطاله وسهولة المأخذ في ذلك، وأنه ليس من الغامض الخفي لكن من الواضح الجلي، وقد استوعبنا ذلك ولله الحمد في باب الكلام في القياس والعلل من کتابنا هذا. وفي کتابنا الموسوم بکتاب «التقريب» آيضا، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم • و احتجاجنا لهم بکل ما شغبوا به وزدنا هم احتجاجًا بما لم يحتجوا به لأنفسهم، وبينا بطلان كل ما يمكن أن يموّه به في ذلك مموّه، وبالله تعالى التوفيق )) .
قال الد کتور محمد الکتاني علي اثره: «کان ابن حزم يطالب خصومه بأدلة إثبات القياس، وكان لا يقبل أن تكون الأدلة إلأ من النصوص المفسرة على ظاهرها. أي أنه كان يطالب خصومه بأن ينهجوا منهجه، وينزلوا عند أسس هذا المنهج الظاهري ليقبل منهم، وقد فاته أن كثيرًا من الأحكام الفقهية المعمول بها كانت قد أسست علىالقياس)، فرفض الرأي والاستحسان والقول بالمصالح المرسلة والقياس والاجتهاد كان بمثابة رفض المدوّنات الفقهية المعمول بها أو بعض أحكامها على الأقل. بل إن بعض المذاهب الفقهية قد قام في معظم أحكامه على القياس نظرًا لكونه لم يعتمد السنن والأخبار لقلة ما كان موجودًا منها بين يدي مؤسسيه، وهو المذهب الحنفي، فثارت في وجه هذا المذهب ثورة المحدّثين الذين كانوا يرون أن السنن كانت من الوفرة بحيث تضع حكمًا لكل مسألة. واختلطت النزعات الفقهية بالشعوبية والعروبية. وهذا ما يوضحه النص التالي:
لقي مذهب أبي حنيفة صدمتين عظيمتين، هما جمهور علماء الإسلام في القرن الثاني، وهما المحدثون والمتكلمون من أهل الستة، شنوا عليه غارة شعواء؛ فأهل الحديث يرون أن السنة أصل مكين في التشريع مكمّل للقرآن من غير أن ننظر إلى علل الأحكام، فنقيس عليها، ولا إلى أصول عامة فنستحسن، ومن المحدّثين نشأ أهل الظاهر"الجامدون على نصوص الشرع بالحرف غير ناظرين إلى مقاصدها"
(1) انظر مظاهر الاختلاف والائتلاف بين أهل الحديث والظاهر في «المدرسة الظاهرية بالمغرب
والاندلس»ص 33 - 87).