الفصل الأول: نظرة ابن حزم للرأي والقياس والتعليل دراسة تحليلية تقويمية
ومع إقرارنا بأنه من الخطأ اعتبار ابن حزم مجرد استمرار لمدرسة داود بن علي المشرقية، إلأ أنه من الخطأ كذلك اعتباره مستقلًا عن أسس تفكير داود بن علي. إلا أن كتب ورسائل هذا الأخير مفقودة، وربما ضيعت عن عمد، واستخفها الناس. لذلك لا يمكننا سوى افتراض ما قلناه من أن ابن حزم كان منطلقًا من نفس الأسس. ولكنه أضاف وعمق وأضل الأصول وعمّم النظرة". إذن، وقع إبطال الرأي والقياس لابن حزم من داود بن علي، بناء على إيمانه الراسخ في صحة تقريره، وسلامة أدلته، ورجحان طريقته، زيادة على عوامل نفسية جعلت نفسه تنشرح لاراء داود، وقناعات فلسفية كلامية جعلته يدافع ويناضل على مذهبه. والأهم من ذلك كله وجود الأسس والمرتكزات المشتركة بينهما، وخق لنا الآن أن نتساءل عن أمرين: * الأول: من أين أخذ داود بن علي الظاهري إبطال القياس؟ * والآخر: ما هي هذه الأسس والمرتكزات المشتركة بينهما؟ يُجيبنا عن السؤال الأول اثنان من العلماء: الاول: السرخسي، قال في «أصوله» 2/ 119):ثم نشأ بعده أي: - النظام - رجل متجاهل يقال له داود الأصفهاني، فأبطل العمل بالقياس من غير أن يقف علي ما هو مراد کل فريق ممن کان قبله، ولکنه آخذ طرفًا من كل كلام، ولم يتشاغل بالتأمّل فيه ليتبين له وجه فساده، فقد قال: القياس لا يکون حجة، ولا يجوز العمل به في احکام الشرع». والآخر: الجصاص، قال في «فصوله)8/ 24 )):ثم تبعهم رجل من الحشو متجاهل لم يدر ما قال هو، ولا ما قال هؤلاء، وأخذ طرفًا من كلام النظام، وطرفًا من كلام بعض متكلّمي بغداد من نفاة القياس، فاحتج به في نفي القياس والاجتهاد، مع جهله بما تكلم به الفريقان من مُثبتي القياس ومبطليه، وكان مع ذلك ينفي حجج العقول ويزعم أن العقل لا حظ له في إدراك شيء من الدين)."
(1) إسهام علماء الأندلس في تأصيل الفكر الإسلامي، ابن حزم نموذجًا، منشور ضمن «السجل العلمي
لندوة الأندلس: الأندلس قرون من التقلبات والعطاءات)24) 1/ 0 - 24) 2).