قال أبو عبيدة: ليس تحت أنظارنا، ولا بين أيدينا كلام داود الظاهري المفصل عن إبطال القياس، ولا كلام من سبقه، وإنما كل الذي عندنا نتف لا تأذن لنا أن نقر أو نخالف بأنه «رجل متجاهل) وأنه «لم يقف على ما هو مراد النظام ومتكلمي بغداد من نفاة القياس)، ولكن بين أيدينا كتب ابن حزم، الذي أضاف وعمّق وأضل - فيما افترضناه سابقًا - على كلام داود، وسيأتينا كلامه لاحقًا، وسيظهر لنا عمقه ودقته، وأنه قائم على دراسة مستوعبة، ونظرية متكاملة، وأنه فاهم بحذفي لكلام خصومه، وأنه ليس بمتجاهل، ولا حشو في اعتراضه، ولا في تقريراته.
الأسس والمرتكزات المشتركة بين داود الظاهرتي وابن حزم الأندلستي:
وأما عن الأسس والمرتكزات المشترکة بين داود الظاهري و ابن حزم الأندلسي التي جعلتهم لا يقرون بالقياس، وينادون - بقوّة - بإبطاله، فهذا ما نبسطه، وسيتبير معنا من خلاله أن بينهما قدرًا كبيرًا من المماثلة والمطابقة؛ فعلى الرغم من تباعد الزمان، ونأي الديار بين كل منهما، إلا أن المنهج الذي حاولا أن يُرشخاه في جسم الفقه الإسلامي نبع من مرتكزات وأسس واحدة، وتصوّرات فيها إجلال وتعظيم لنصوص الوحيين الشريفين: كتابًا وستة.
فعلى الرغم من ضياع كتب داود بن علي، إلأ أن نقولًا خفظت عنه، يمكن أن نتلمس من خلالها مرتكزاته وأسسه التي رفض حجّية القياس والرأي بناء عليها، وهذه شذرات ونقولات نستطيع من خلالها تلمس ذلك:
قال النديم"عن داود: «هو أوّل من استعمل قول الظاهر، وأخذ بالكتاب والستة، وألغى ما سوى ذلك من الرأي والقياس). وذكر الشهرستاني في «الملل والنحل) 1/ 1 29 )) أن مذهب داود نفي الاجتهاد في الأحكام، وتصقل عبارته:"
«إن الأصول الكتاب والستة والإجماع فقط، ومنع أن يكون القياس أصلًا من
الأصول، وقال: أوّل من قاس إبليس).
(1) في «الفهرست» 303).