الصفحة 1134 من 9223

كنت طالعت في كتاب ترجمة الجيلاني البغدادي كثيرا من أخباره ثم خطر لي سفر إلى حوز ( الحمراء ) أواخر سنة 1336 هـ فقلت لها: يا أماه، أطلب منك أن تهبيني لله، كما وهبت أم مولاي عبد القادر ولدها لله، فقالت: إنني أهب منك كل ما أملكه لله، فليكن الله في معونتك يا ولدي، غير أنني أتطلب منك أن لا تنقطع عني ما دمت حية، وكنت إذ ذاك أظن أنني بتمثيل هذا الدور أصبح كالجيلاني، وتلك بعض خطرات الصبا التي لا تؤسس إلا على الأماني والمحاكاة، ثم وفيت لها بطلبتها ما استطعت، فكنت أقطع ما بين الحمراء إلى إلغ ذهابا وإيابا في أكثر من شهر على البهائم، ولكن أصحاب والدي في الطريق يجعلون هذه السفرة الطويلة الشاقة كأنها نزهة من النزه حين يمر بهم ولد شيخهم فيفرحون به، ويكرمونه بكل ما في وسعهم، ثم يرشدونه إلى ما يعرفونه من طرق الخير .

في سنة 1341 هـ زرتها فرأيتها تمشي مقوسة نحيلة، ووراءها حفيدان لها: بنت للحبيب الأخ، وأخرى لفاطمة الأخت، فقالت: يا ولدي، إنه قد 53/3

54/3 حان الوقت، وقرب الأجل، فقد كان عهدي بأم أبيك - تاكدا - فارقت الحياة حين كنتم يا أحفادها تتبعون خطواتها، كما يتتبع هذان خطواتي، ثم تطلبت مني أن أرسل إليها بعض ما تحتاج إليه في نقلتها من هذه الدار إلى تلك الدار على عادة كثيرين من أهل بلادنا الذين ينتظرون اليوم الأخير، من تهيئتهم للكفن والحنوط، ثم رجعت أنا إلى الحمراء، ولم ألق لكلامها هذا بالا والشباب مطية الجهل، وكل من كان في مثل سن العشرين يغمى عليه، فلا يدرك الحقائق حتى تنطحه بقرونها .

تلتحق بالرفيق الأعلى:

في يوم من ربيع الأول سنة 1342 هـ وأنا جالس في بيت أحد أصدقائي في المدرسة اليوسفية بالحمراء، حمل إلي البريد رسالة، ما كدت أفضها حتى سقطت من هول ما قرأته فيها .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت