فهرس الكتاب
كتب إلي أستاذي سيدي سعيد التناني رحمه الله تلك الرسالة يعزيني في الوالدة، ولكن ليت شعري هل عبارات المعزين هي التي تسلي القلوب المرزأة بالكوارث الجلى ؟ أو تطاول الأزمنة، هو الذي يضمد الجراح، ويمسح ما في قلوب المحزونين .
لا يزال ذلك النهار مائلا بين عيني إلى الآن كما لا يزال مثله ماثلا بين أعين كثير من القراء الكرام، وكان الوقت وقت العصر، فسفحت العين ما سفحت، وأجرت الأنفاس الزافرة ما أجرت، فخرجت مع صاحب لي هناك إلى ( الباب الجديد ) حيث ننتبذ عن جلبة المدينة، وضوضاء أزقتها، فصرنا بعدما سكتنا طويلا نتحدث حول هذا المصاب العظيم علي، فلم ألبث أن ملت إلى اليراع، وأنا على شفير جدول هناك، فأمليت على لسانه مفتتح هذه القطعة في ورقة صغيرة فكنت كلما ازددت شطرا، أحس بأنني أسترد من حياتي التي كنت أضللتها منذ حين شطرا، فأتممتها، فكان من العجب أن بقيت في مبيضتها بين أوراق حتى وقعت عليها، وأنا في هذا المنفى الذي لا يقل رزءه عن ذلك الرزء، وهكذا ترد الأعجاز على الصدور حتى في المآسي - ولله الأمر من قبل ومن بعد -
وهاك ما قلت إذ ذاك على ما فيه، فاقرأ وأرق في درج الجناس، حتى تتم مراقي الأبيات أمامك، لتعرف كيف ينظم المختار سنة 1342 هـ:
عجبا لنفسي لا تذوب صفاتها *** والأم قد وردت على نعاتها
طلعت رسالة نعيهم فتناثرت *** من أدمعي الحمراء منظوماتها
ما في عبارات الرسالة غير ما *** تمرى به من أعيني عبراتها
ما كدت أقرأ ما بها حتى همى *** دمعي فكادت تنمحي جملاتها
فزفرت زفرة ما يؤجج من غضا *** فتهيج ما بين اللظى زفراتها 54/3
لو لم أزحزحها أمامي سرعة *** لتحرقت من زفرتي جنباتها
فكأنما ينحو الأسى بسطورها *** نحوي كما تنحو الحروب كماتها
فقسيه نوناتها، وسيوفه *** راءاتها، ورماحه ألفاتها
كلم الفؤاد بلفظها فكأنما *** تلك الكلام تجانسا كلماتها
يا ليتني ما كنت أسمع قبل ذا *** فأصم حين تجاوبت صرخاتها