الصفحة 1147 من 9223

فهذه هي الأسباب الطبيعية التي رفعته إلى المنزلة التي ما فيها ما نال من الشفوف، وإذا أراد الله بإنسان مرتبة سنية، هيأ لها أسبابها، ومهد له طرقها .

وقد كان مثابرا على التعليم في جميع الفصول، لا يعرف بطالة، ولا يشغله شاغل عن الدرس، فإنه يبكر إلى المدرسة من داره بكور الغراب، فلا يزال في موالاة الدروس إلى تدهم العشية بظلمائها، ففي ذلك أمضى شبيبته وكهولته، كما يمضي فيها اليوم شيخوخته، ويتعهد الطلبة أحيانا بالعتاب المر والتعنيف المبكي، فيجلو ذلك عن النفوس ما عسى يصدي منصلها، ويفل غرارها ويجعل فيها التكاسل متسربا، وإلى عدم تتبع البحوث منفذا .

ما ناصحتك خبايا الود من رجل *** ما لم ينلك بمكروه من العذل

محبتي فيك تأبى أن تسامحنى *** بأن أراك على شيء من الزلل

وله همة عليا، وعزوف عن الدنايا، واستنكاف عن زيارة أرباب الدنيا والاختلاف إليهم، إلا لضرورة تحوجه إلى ذلك، فقد حكى لي أنه ما كان يصل السيد الحسن بن إبراهيم باشا ( أكادير ) إلا في النادر القليل جدا، مع أنه ممن يكبرونه ويشيدون بالثناء المستطاب عنه .

إن وجود مثل هذه الهمة المسعودية العليا، وانصرافها إلى بث العلم في هذا الوقت الذي انصرفت فيه همم كثيرين من أنداده من العلماء عن بثه، لفضل عظيم على هذا الصقع السوسي، فلو كان معه أناس يسيرون بسيره، ويطيرون بعزيمته، لما وصلت العلوم بسوس إلى هذه الحالة المخجلة، فقد أقفرت المدارس، وغيضت العلوم، وأصبحت قبائل كانت قبل ميادين العلماء أقفر من جوف الحمار، فلا مفتي ولا مرشد، ولا حول ولا قوة إلا بالله، كأن لم يكن بسوس قط اجتهاد شرق ذكره و غرب:

كأن لم يكن بين الحجون إلى الصفا *** أنيس ولم يسمر بمكة سامر 65/3

بعض أخباره:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت