الصفحة 1152 من 9223

ومن عادته أن يشفق على الطلبة، وأن ينفق عليهم من كل ما في إمكانه، ولاسيما على المجتهدين منهم، وكثيرا ما يسرب سرا إلى من يعرف فيه الهمة طعاما خاصا، أو سكرا أو بيضا أو لحما أو شعيرا أو دراهم، ومتى كان الطلبة يحصدون زرعه على عادتهم فإنه يدر عليهم الخيرات، فما شئت من لحم وإدام صباحا ومساء، حكى لي بعضهم أنه بكثرة الرأفة عليهم، لا يقدر أن يراهم يوم الحرارة في الفدادين، فقد غشيتهم موجة حرارة بغتة، بعد انقشاع سحاب فسعى حتى داناهم، فصار يلوح إليه بذيله، فقال لهم: لم تخلقوا لهذه المشقة، ولكنه إذا أصبح أحدهم نائما عن الصلاة وعن الصبح، فإنه يسمع الأحجار في بيته، وخصوصا من النوافذ، وكثيرا ما يملأ ذيل ثوبه بالأحجار فيتتبع النائمين بذلك يرمي أبواب بيوتهم بها، والطلبة إذ ذاك يحترمون الأساتذة من قلوبهم ويحسنون فيهم الظنون، ويصبرون لكل ما عسى أن يمسهم من جهتهم .

بيني وبينه:

كنت دائما أتعالى إلى التعرف به، منذ عرفت لأمثاله أقدارهم، وأدركت لنظرائه قدر مساعيهم، وذلك منذ نزلت بالحمراء للأخذ، ولكن تتابعت 68/3

69/3 السنون وتوالت علي عوائق، حتى استقررت في البلد منفيا، فلما سرحت وملكت أمر نفسي، سافرت في ربيع الثاني 1361 هـ فلاقيت المترجم في سوق الثلاثاء في مدينة ( إينزكان ) وقد ذكر لي أنه ما تسوق ذلك النهار، إلا لأجل هذا اللقى، فكان هذا التشريف منه لهذا العبد من المنن الكبرى، فمضت لنا ساعة طيبة، ملئت بالاستفادة من الأستاذ عن تقلباته في رحلته العلمية .وتتخلل ذلك إنشادات مستملحة طيبة، كانت تأتي بأدنى مناسبة، وإذ ذاك شاهدت من أخلاق الأستاذ البارزة ميله للمفاكهة والنوادر والمستملحات، على عادة الأدباء الأريحيين، فمما قيدته عنه في تلك الجلسة المستمرة من نحو عاشرة النهار إلى ما بعد العصر، البيتان المشهوران:

زماننا كأهله *** وأهله كما ترى

فسيرهم كسيره *** وسيره إلى ورا

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت