فهرس الكتاب
كدنا والله نعدم صفحة ذهبية من حياة الشيخ سيدي عبد الله بن سعيد لو كنا عدمنا هذه الوثيقة الجليلة, فقد أرتنا كيف ينظر إلى الشيخ من مختلف القبائل المجاورة لتهالا بلدته والنائية عنها, فالعلماء السملاليون والإيغشانيون والإكماريون والساموكنيون والتامانارتيون والإيسيون, كل هؤلاء قالوا ما رأوه وشاهدوه في الشيخ ومن خلفه في مقامه من أولاده, أو رووا ذلك عمن رآه وشاهده في الشيخ, وتحرى بعضهم أن لا يزيد على ما يشاهده, فقال هذا ما في الظاهر والله يعلم ما تكن الصدور, فالشهادة من أمثال هؤلاء المتحرين الذين يظهر أنهم ممن يزنون ما يقولون, فلا يلقون الكلام على عواهنه, ولا يجرون ذيل ظاهر الإنسان على باطنه هي- والله- شهادة لها عند ذوي الألباب مكانة مكينة, ومقام له من السمو والاعتبار ما له.
كثير من الذين حظوا بالشهرة في حياتهم, وظفروا بالسنة رطبة حول ذكرهم, لا يكادون يرمسون, وتنفض الأيدي من غبار القبر, حتى تبدأ تلك الشهرة في الاضمحلال, ورطوبة تلك الألسنة يدب إليها الذبول, ولكن الشيخ صاحب الترجمة, مضى عن وفاته يوم كتبت هذه الوثيقة عقدان بل أكثر, ثم جاءت هذه الوثيقة تعلن أن تلك الشهرة لم تزل في الانتشار, أن تلك الألسنة الرطبة صارت لأجلها الأقلام رطبة بدورها فأتت بما نقرأه اليوم بعد قرنين ونصف, فنتصور الشيخ سيدي عبد الله بن سعيد من الأفذاذ الذين وقفوا حياتهم في سبيل المنفعة العامة, فلا يكاد يرى ثلمة يتسرب منها إلى عباد الله ضرر حتى يبتدر إليها بكل ما أوتيه من قوة وعزيمة وإخلاص, ثم لا يفارقها حتى لا يكون منها لعباد الله إلا برد وسلام.