فهرس الكتاب
وبقوله أيضا: من فقه الرجل استصلاحه لمعاشه. وأن يصرخ عليه بقوله صلى الله عليه وسلم لعمرو بن العاصي: نعم المال الصالح للرجل الصالح. وبقوله أيضا على ما يروى عنه: (ليس خيركم من ترك دنياه لآخرته أو آخرته لدنياه, وإنما خيركم من أخذ من هذه وهذه) أو كما قال في أحاديث كثيرة في الموضوع, ويتلى عليه من سيرة النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه ما عسى أن يقتنع به إن أراد الله به خيرا, وقد أدى هذا الظن السيء غالب الناس حتى حسبوا أن كل الذين يشار إليهم بخير من المتقدمين ما وصلوا ذلك المقام إلا برهبانية وانزواء ونفض لليد, حتى لا يضعون لبنة على لبنة, ولا يوكئون على صرة, ولا يفتحون عينا على عقار متأثل, فضلوا بهذا الضلال ضلالا بعيدا حتى إنهم متى رأوا في أحد معاصريهم ممن ينتمون إلى صلاح أو علم استصلاحا لمعاشه, واشتغالا بما لا بد منه من دنياه, لاكوه بألسنتهم, ورشقوا عرضه بسهامهم, ويتمضمضون في أنديتهم بالتكلم فيه, فصاروا يحملونه على المقياس الذي توهموه لمن سلك ذلك المسلك من الأخيار, ومتى فسد المقياس, فسد المقيس والمقيس عليه, ورحم الله صاحب الإبريز الذي أنحى على من يكتبون على ذلك تراجم الصالحين المرشدين, إذ يتركون التكلم حول هذه النقطة, حين يترجمون واحدا منهم, فجروا القراء إلى أن يخالوا ما ليس في الواقع.
إذن تأثل صاحب الترجمة أملاكا لا بأس بها , تقوم بأوده, وتكفي أسرته فكان من ذلك أمران: أحدهما أنه لم يذر ورثته عالة يتكففون الناس, بل ورثهم ما أنموه فأدر عليهم خيرات حسانا, وثانيهما أنه غادر في أولاده هذه العادة المحمودة المتركبة من التعفف والاحتراف بطرق المعاش المشروعة, ومن الاعتماد على النفس اعتمادا الأباة الذين يريدون أن تكون يدهم دائما هي العليا واليد العليا خير من اليد السفلى, فرحم الله ذلك السلف, وبارك في هذا الخلف.