فهرس الكتاب
ولما مات صنوه تصدر في مقامه، وقد تمهدت السبل، ووطئت العقبات واجتمعت كلمة القبيلة، وليس عليه بعد ذلك إلا أن يحافظ على ذلك بمهارة فالمحافظة على الانتصار حتى تجنى ثمرته، أصعب عند الحربيين الدهاة من الانتصار، فكم انتصرت ألمانيا في أول حرب ـ ولكنها لا تعرف كيف تحافظ على الانتصار إلى الأخير ـ
سلك طريقا وفق إليها غالبا التوفيق، حداه إليها سعده فكان عوض أن يضع الحصون في تخوم قبيلته، وأن يشيد المعاقل على قنن الجبال، مد سماطا لا يغلق الباب دونه، وليس من ورائه حجاب، فأغناه ذلك في مدافعة الأعداء، وفي فتح القلوب، وتنمية الأصدقاء ما لا يغنيه كثير من سابغات الدروع. ولا منيعات الصياصي، على أنه حاول بناء حصن قديم تهدم فوق داره في عهد الحاحيين، ولكن حصنه الحصين حقيقة إنما هو في مائدته الطافحة كان رئيسا من الرؤساء، يقدم المصلحة التي تراءت له على سواها فكان لا بد له أن يفرط منه ما لا يدوم له ما هو فيه ـ على رأي أمثاله ـ إلا بارتكابه، ثم لا يبالي أن يوافق أنظار غيره أو لا يوافقها، ولكن كرمه ومحبة العلم وذويه غطيا كل ذلك، وقد كان هذا مما لوحظ منه من سنواته الأولى، فاسمع ما بقوله فيه الشيخ الإلغي في رحلته الحجازية، حين ذهب معه حتى شيعه بماسة:
ومعنا محب أهل الخير *** من لم يفارقهم بكل سير
ووصفه أوصاف أهل الله *** وقلبه لاه عن الملاهي
له عديدة من المناقب *** تحط ما له من المثالب 130/3
أخلاقه طابت سليم الصدر *** من كل شين شان أهل القدر
شجرة السخا حمت له الحمى *** وأطلقت له اللسان والفما
ووجد الفضل لذلك السخا *** ففلكه تمخر بالريح الرخا
حبي أبو سالم الغشاني *** خادم علم قارئ القرآن