فهرس الكتاب
إن أُنس لا أُنس تلك الأيام الأولى، التي بسمت لي بما فيها الحياة البسمة الأولى في المدرسة الإيغشانية، حين كنت مع أتراب لي هناك نجري وراء المنى فنصادها ونتبين من بعيد الرياض الأريضة من الآمال الحلوة فنرتادها وأنا كما تملصت إذ ذاك من قبضة معلم القرآن ـ وما أدرك ما قبضات معلمي القرآن إذ ذاك ـ فاجتلى وجه الحياة مستبشرا، بعدماكان لعيني قبل ذلك مستبشرًا.
في الصباح يوم من سنة 1329 هنَزَلْتُ بتلك المدرسة أنا وأخي أحمد فمثلت بين جماعة من الولدان كما جاءوا أيضا إلى المدرسة منهم الأديب سيدي أحمد البنائي الإيغشاني، وصاحب الترجمة في نحو عشرة، كما افتتح الجميع الأجرومية فكان شيخنا سيدي عبد الله بن محمد بنا معتنيا، فكثيرا ما نحفظ ما في ألواحنا من المتون أمام ذلك الهري الموجود أعلى الدرج الصاعدة من باب المصلى، ونحن نرتجف من صوت الأستاذ فضلا عن سوطه جزاه الله خيرا فطرق الجد غير طرق المزاح، ثم إذا تملصنا من هناك فما شئت من قفزات وجمزات، كالغزلة المقمرة فنتجارى إلى ( بئر النجمة ) حيث نستقي ما نريده من الماء في القلل على كواهلنا أو إلى ( حوض الخميس ) حيث نغسل ثيابنا أو إلى ملعب الكرة إزاء المدرسة، أو إلى ( مسبح بئر بو الرمان ) حيث نستدير في وسط الماء حلقة متصلة، فنسبح سبحة القعود، ونحن ندور متواجهين فويل لمن أعيا
هذه من ذكريات الصبا التي لا أزال أتمثلها الآن سنة 1358 هوبيني وبينها ربع قرن فكأنها وقعت أمس، فيا لسرعة دورة الدهر، ويا سرعان ما نفضت عنها الكهولة رشاقة الصبا، ونضرته وخفته وطيشه، فلولا الطيش ما احلولى التصابي .
بين هذه القفزات والجولات، استطاع أستاذنا بضغطاته أن يسرب إلى 156/3