فهرس الكتاب
343/3 لم أخرج عن شعوري، بل تعلقت بدراهمي وشددت على مزودي أكثر مما كنت، وعندئذ دعوت الله قائلا ( لئن أنجيتنا من هذه لنكونن من الشاكرين ) فإذا شجر خروع عال عارضني فتعلقت به تعلق الغريق، متمكنا من الطلوع إلى موضع عال قليل السيل، فطلعت وأصلحت حالي ثانيا، ووقفت والماء تحت السرة لخفة السيل هناك ثم ندمت على ما فعلت، فحدثتني النفس بالوقوف هناك على تلك الحال تارة حتى يذهب معظم السيل، وتارة بالعبور لئلا يزداد الوادي بازدياد الأمطار في النواحي البعيدة، كل ذلك والليل قد ضرب بأطنابه، والوادي قد أقبل بعبابه، ولا مغيث ولا مطلع إلا الله سبحانه فما أكثر ألطافه، ووقفت مقدار ساعة إلى أن تمكنت العشاء، فأحسست بضعف سورة الماء ونقصانه عن مواضعه، وعلمت أن السيل بعد حين يذهب معظمه وقوته، وأيقنت بالنجاة من تلك التهلكة التي ألقيت فيها بنفسي ولم أعتبر بقوله تعالى ( ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة وأحسنوا ) ولكن ( لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا ) ثم حدثتني النفس أيضا بالتقدم للعبور، والبدر في ذلك كله قد ألقى أشعته على صفحة الماء، وللسيل حس زائد كأنه الرعد القاصف، لكثرة الصخور والحجارة والمغائر في بطن الوادي، ولما تحققت تنقصانه باشتداد حسه، تذكرت أمثال العامة فيمن كثر سكوته، وفيمن كثر كلامه ومنها قولهم: ( الوادي الساكت أشد خطرا من الخرخار ) لأن المتكلم يبرز ما في نفسه، بخلاف الساكت فإنه لا يعلم ما يريد، ثم تقدمت فعبرت وأكثر عبوري على الصخور العظام بحيث لو سقطت عنها لهلكت إلى أن وصلت نصف الوادي، ثم وقفت أيضا قليلا حتى استرحت، ثم اندفعت أيضا ووثبت على بعض الصخور، ثم أحسست بنقصان ظاهر في الوادي، فعبرت إلى أن وصلت الشاطئ ناجيا وتاليا قوله تعالى ( رب أنزلني منزلا مباركا، وأنت خير المنزلين ) وذهب عني بعد قرع سن الندم ما غمرني من التحير، تاليا قوله تعالى ( ومن عاد فينتقم الله منه ) وسبب كثرة سيول هذا الوادي