فهرس الكتاب
ولما أصبح الصباح كشفنا له عن القصد الذي قصدناه من رحلتنا، فأخبرنا بأن الفقيه المذكور وهو عمه السيد علي بن عبد الله قد أصدر أوامره بنقصان طلبة مدرسته، لكثرتهم وشدة المسغبة في هذه السنة، وأنه لا يقبل الزيادة على ما بقي عنده، فاستخرت الله ورجعت عن ذلك إلى الدار، ولما هممت بالوداع، حملني على المقام عنده أياما، والمذاكرة من دون صحابتي، فأنفت من المقام مراعاة لحرمة صحبة السفر، والفراق فيه دون الوصول إلى أوطان الجميع، فاعتللت له بذلك، وواعدته العودة بعد ذلك، ولما لاح وجه غراب البين، والدموع تنهل مثل مكنون اللؤلؤ من مآقي العين، ودعني بعدما أخذ القرطاس والقلم بقصيدة أو شبهها، وهي ألذ من وصل الصب لمحبوبه في الكرى والحلم، ملتزما في أشطار قافيتها الإتيان بلفظة من الشحلة السوسية نصها:
محمد بن أحمد بـ ( آوالا ) *** متى تدور في ذراكم ( تآوالا ) (1)
وأسأل الله الكريم ( أديوي ) *** يوم زيارة يداوي ( الحبنيوي ) (2)
فتشتفي الأحشاء من ( أماركي ) *** والعين من دمع بها ( كأنكي ) (3)
وترتوي أكبادنا من ( إيريفي ) *** وتنزوي عن القلوب ( تاغوفي ) (4)
لولا الضرورة لما ( راك أجغي ) *** تذهب إذ ودك بي قد ( أمغي ) (5)
لكنني أودع قلبي ( تولغوين ) *** لكم وإن قد طرتم بـ ( تيفراوين ) (6)
ثم عليكم من سلامي ( كيكاني ) *** يا سيدا مطهرا من ( أركني ) (7)
فتودعنا واشتركنا الدعاء على نية العودة إليه والعود أحمد، ورجعت إلى البلد، ولم أقم إلا أياما حتى خطر ببالي شد الرحلة إلى زاوية ( تيمكيدشت ) لتنبيه بعض الأصدقاء إلى ذلك المقام.
(1) أوالا: بلد الكاتب وتاوالا: النوبة.
(2) أديوي: أن يأتيني، لحينيوي: حبي.
(3) أمارك: التشوق، وأنكى: السيل.
(4) إيريفي: العطش، وتاغوفي: الغمة.
(5) راك أجغ: أن أتركك، أمغي: ثبت.
(6) تولغيوين: الأمداح، وتيفراوين: الأجنحة.
(7) كيكاني: كثيرا، وأركان: الوسخ.