فهرس الكتاب
ولما علم بذلك كله أهل المدرسة وغيرهم لما يرون من كثرة التردد إلى بيوتهم والغشيان لمجالسهم، وكثرة أنعامهم علي بأنواع البرور، والتزلف إلى، دسوا إلى بعض من له معي ألفة وصحبة من تلاميذي، فاستدعاني إلى بيته فجرت المذاكرة في ذلك كله، فلما آنس الايناس مني، وقبول التلقي، صدمني بما عنده صادعا بذات صدره وصدور أهل المدرسة، وشيعة سيدي الهاشم قائلا أرى أن تفارق ذلك الرهط، من أخوة صاحب الزاوية وشيعتهم، فإنهم دسيسة وحيلة لوقوع الشنئان بينك وبين سيدي الهاشم وليس لهم في إكرامك نية صحيحة، ولا محبة أكيدة، لما هو معلوم من حالهم، من أن كل من كان من أوتاد هذه الزاوية بكثرة المنفعة والمصلحة لابد أن يدسوا لتقويضه وسعى الفساد بينه وبين أهل الزاوية، فلما سمعت منه ما سمعت سكت عنه، وربما خاطبته بما يناسب المقام، إلى أن تفارقنا بسلام، فلما علم ذلك الرهط من الأخوة بذلك بوسائط المرجفين، رجعوا إلي بالملام، في قبول أقوال مثل هذه، وزادوا في التقرب إلى والتزلف والانحياش، أكثر مما كانوا عليه من قبل، إلى أن أسود الجو، وأظلم ما بيني وبين أهل المدرسة، وراجت بيننا أقاويل ومكاتبات ومعاتبات أدت إلى مباغضات (1) وأما صاحب الزاوية سيدي الهاشم فهو في حيز السكوت، ولم يبدها لأحد من الفريقين، بل ربما يرجح كفتي على كفة غيري، تحلما منه أو مكيدة، ولما رأيت الحال، وتفطنت للمآل قطعت التدريس، وانقطعت عنه وعن مجالس الطالبة، وراودوني على مواصلة العمل، فامتنعت فكان ذلك منية لأعداء الزاوية، وفيه لي مصلحة لا تخفى من بعد ذلك، فما كان غير قليل حتى بعثت إلى صاحب الزاوية أن يأذن لي في الانصراف، ومبارحة زاويته، معتذرا له بأمور، منها أنني قد عزمت على السفر للطلب بفاس أو مصر أو غيرهما من بلاد الله، ومنها أن الوالدة قد نهتني عن المقام بهذه الزاوية طرفة عين، ومنها أنني بالمقام فيها يتفاقم الأمر ويتسع
(1) بل إلى الضرب فيما شاع على الألسنة.