فهرس الكتاب
الخرق على الراقع، فقال أقم حتى استخير الله لك ولنا، فأقمت نحو ثلاث، فبعث إلى الشيخ سيدي ناصر المانوزي المدرس، فقال لي أن صاحب الزاوية يأمرك بالمقام، قائلا لك: إن أمرك لا يستقيم في غير زاويتنا، فإن أردت الأجرة على التدريس أعطيناك مع زيادة التزويج بإحدى بناتي، والإتحاف بكل ما تحتاج إليه، من عبد وأمة ودار وغير ذلك، فلما سمعت منه ذلك أنفت 364/3
365/3 منه أن يراودني بمثل هذا، فما زادني إلا نفورا لما في نفسي من همة عالية في التوقان إلى الطلب، وشهامة في التنافس في الأمور الغالية وفي أعمال السبب إلى المراتب العالية، فأقمت نحو ستة من غير خروج إلى التدريس، إلا ما كان من الخواص الذين بيني وبينهم مودة متينة، ولهم في القلب مكانة مكينة، فإنهم يأتونني في جميع الأوقات لقراءة الشيخ خليل وابن عاصم وابن عاشر والزقاقية والفرائض والحساب والتفسير وجمع الجوامع والتلخيص ومقامات الحريري وغيرها مما يهمهم، ما بين العشرين إلى الثلاثين طالبا، وربما يخالطهم من ليس على شاكلتي ممن قصده الاستفادة أو التجسس.
وفي أثناء كل هذا يتردد إلى المخالفون لهذه الزاوية من أصحابي، مثل ذوي يزيد، وأيت ( تحت الحصن ) الإلغيين، والكريسفيين، وغيرهم والكل يندبني المخروج منها إلى غيرها من بلاد الله، ففي بعض الأيام زارنا صديقنا الفقيه العلامة الأديب سيدي أحمد بن الحاج محمد بن بلقاسم اليزيدي ( المتوفي في ربيع الأول عام 1364ه ) وتذاكرنا الأمر، فعنفني وعاتبني على الإقامة على المذلة والهوان، منشدا قول الشاعر في مثلي:
ولا يقيم على ضيم يراد به *** إلا الاذلان عير الحي والوتد
هذا على الخسف مربوط برمته *** وذا يشج فلا يرثى له أحد