فهرس الكتاب
والصوامع العالية، مثل الكتبية المشرفة على المدينة وغيرها، وأمر بفتح الأبواب ليلا ونهارا، زاعما أن على كل باب رصدا يدفع، وروحانية تقمع، وأن المدافع والبارود والرصاص وغيرها من آلات الكفاح في حقه لا تنفع، بل اعتقد جمهور الخاصة والعامة إلا قليلا ( وقليل ما هم ) إن المدافع تلهج بنصره، وتقدس الله وتسبحه، والأطيار كذلك، وأن البارود والرصاص لا تصيب أصحابه لبرودتها عنهم، في مزاعم كثيرة مثل هذه، ولذلك كان أكثر جبابرة القطر السوسي ( وحاحة ) و ( الشياظمة ) و ( دكالة ) و ( عبدة ) والحوز كله إلى جهة ( درعة ) و ( سجلماسة ) خاضعين له، متابعين من غير مدافعة بخيل ولا رجل، ولا فكروا في ذلك لذهاب عقولهم، وطيرانها بهذه الخرافات المزعومة، مع شدة شكيمتهم، 369/3
370/3 وكثرة عددهم، بل أشيع وأذيع إن كل من لم يبايعه تتسلط عليه الأسود والذئاب والأفاعي فتفرسه وتنهشه، حتى أن قائد ماسة عبد الله بن بلقاسم تأخر عن مبايعته (1) ريثما يتهيأ له، فاذيع أنه أصيب بجيوش القمل والضفادع، وأن مرابط ( تيمكيدشت ) السيد الهاشم بن الحنفي قد اختلس الجنون خزانته العلمية، وأصيب بجنون، وأن كل من سرق شيئا يصير مقعدا زمنا في مكانه، إلى غير ذلك من الخرافات.
وكذلك عم الأمن والأمان جميع البلاد في تلك الأشهر الأربعة الأولى قبل انهزامه من مراكش، فما ضاع فيها عقال بعير، ولا ظهر فيها سارق ولا خائن ولا نصب فيها حارس على دار ولا على حانوت ولا على متاع أيا كان، فقالت الشعراء في ذلك وأطنبت، ومما زادهم اعتقادا هبوط الأسعار هبوطا لم يعهد مثله، إذ يباع الشعير بنصف فرنك ( نصف بسيطة إذ ذاك ) للعبرة منه، والقمح بفرنك واحد، والكبش بالسوس بريال حسني، واللوز بقرش أي ربع فرنك لرطل الحلو منه، وأما المر فلا يباع أصلا.
(1) بل هو القائد محمد الاغبالويي، لا القائد عبد الله الذي ما صار قائدا إلا بعد هذا الحين.