فهرس الكتاب
فلما بلغت جيوش حيدة ما بين الجبلين، وكادت تهجم على ( أيت باعمران ) وتوغلت في تلك الأودية، وأشرفت على البلاد، طوقتها جيوش المسلمين من ( مجاطة ) و ( الإخصاص ) وناوشتها الحرب، ووجدتها كالبنيان المرصوص، لا يملكون منها شيئا، ولما رأى القائد مبارك البينيراني المجاطي ما حل بالناس من المدافع والرشاشات، وأنواع التهويلات التي تصد الخيل عن التقدم، وكان شجاعا بطلا، ذا حيل وخدع في الحروب والوقائع، خاض فيها عمره، وتمرن عليها، وتمرس برجالها، جرد جريدة قدرها ثلاثمائة فارس، ممن عرفوا بالشجاعة والنجدة، وزحف بهم إلى ما وراء الجيوش الفرنسية الحيدوية وأتاها من خلفها، فلم يكن غير هنيئة حتى شد عليها ما بين الجبلين، بالخيل والرماة، وفاجأهم بما لم يكونوا يحتسبون، فلما سمعوا البارود قد أتاهم 382/3
383/3 من ورائهم، ووابل القرطاس منهل عليهم كالأمطار الغزيرة، تقهقروا إلى الوراء ليمكن لهم عند الهزيمة الاتصال ببسائط ( تيزنيت ) فوجدوا الطريق منسدا عليهم بالخيل والرماة، وأما الجنود الإسلامية المقاتلة لهم، فإنها لما علمت أن العدو لما تقهقر صار في قبضتها لا محالة، لانحصاره بين الجبال، وأنه لا علم له بالحروب الوعرية، انقضوا عليه انقضاض البزاة على الصيد، ووقع الجزع والهلع في عساكره الجرارة ففشلت، فجعل الناس يقتلون ويأسرون لا سيما من له وجاهة أو لباس غير سوسي، ودخل الناس خلال العدو وهو منذهل لا يضرب، بل همه الحيلة في النزول عن الخيل والتعلق بالجبل طلبا للنجاة، ولكن حيل بينهم وبين ما يشتهون، وتخطفهم الناس من كل فج وترى الواحد منهم إذا دنا منه من أراد أن يقتله يلقي على وجهه جلبابه، لئلا يرى الموت، ومنهم من يجهر بالهيللة لينجو، ومنهم من يصيح يا عباد الله أبقوا علينا فإنما نحن إخوانكم.