الصفحة 1603 من 9223

واستفيد ممن حضر الواقعة مع الفقيه المذكور أنه لما أحس المسلمون بمداخلة الشيخ أحمد الأمازري للعدو، ندبوا ( أداو لتيت ) كلهم إلى ( بني حامد ) إلى ( أمانوز ) للمدافعة عن ( وجان ) وكنت ممن انتدب لها مع شرذمة من شجعان قبيلتي اخترتهم من ذوي الكريهة والطعان، وممن لا يقعقع لهم بالشنان، متقلدين بالرباعيات (1) حاملين أغمادا وأكياسا ومزاويد من القرطاس أي الرصاص الرومي، فسلكت بهم بين الأشجار الملتفة حوالي ( وجان ) حاميا عمن تترس بالأسوار والبروج والسواقي، فكان العدو مع ذلك يضرب بالكور ( القنابر ) (2) ويقع في حائط أو برج أو دار أو سور أو شجرة كبيرة فتخر ساجدة على من تحتها، ساقطة عليه، ومن عناية الله ولطفه المعدود من كرامات أهل الإسلام أن أكثر من سقط عليه ما ذكر ناج، خارج تحت الهدم وغيره من غير بأس، بل ينفض صاحبه عن نفسه الغبار، فيضرب العدو من جديد، كأن لم يصبه شيء ( وما ذلك على الله بعزيز ) في حق المجاهدين رضوان الله عليهم، وقد وقع للصحابة رضوان الله عليهم مثل العلاء بن الحضرمي وسعد بن أبي وقاس رضي الله عنهما.

وقد رأيت في ذلك اليوم على أكثر الفرسان حمرة الدم من أعلاهم إلى حوافر خليهم، كأنما خاضوا بحر دم سائل، منهم الفقيه المذكور، والقائد سعيد المذكور من كثرة الجراحات فيهم وفي خيلهم، ولم يفت ذلك في عضدهم ولا وهنوا لما أصابهم في سبيل الله، ودام ذلك على الناس ثلاث أيام بلياليها والخليفة الشيخ النعمة ابن الشيخ ماء العينين قد خرج لما رأى الأمر لا يزداد إلا شدة.

(1) نوع من البنادق.

(2) يجري على الألسنة القنابل باللام كما عند المترجم، والصواب بالراء كما بينه شكيب أرسلان، وكما كان أهل الجيلين قبلنا يستعملون الكلمة كالشرقاوي المصري والزياني، تشبيها للقذيفة بالقنبرة أي الطائر المعلوم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت