فهرس الكتاب
ومن أكبر الوقائع في هذه الحرب وقعة ( الهرى ) التي استوصل فيها من رؤساء جنود فرنسية أكثر من عشرين، فيهم الكولونيلات والقبطانات والفسيانات، وجمهورهم من البربر الذين يتترس بهم الفرنسيس، وتفصيلها أن العسكر الفرنسي تقدم بقوة عظيمة، وتوغل في تلك الجبال إلى أن وصل للهرى المذكور، فانقض عليه عسكر ( زيان ) ومن معهم انقضاض البزاة وسدوا عليهم المسالك التي سلكوها، وجعلوا يقتلونهم كيف شاءوا، ويأسرون ويذبحون كالكباش إلى أن أفنوهم عن آخرهم ودفن الفرنسيون هناك في مقبرة معروفة بهذا الاسم.
وفي 10 ربيع الأول عام 1354هدخلت مدينة ( خنيفرة ) وبت فيها ليلة واحدة، وتجولت في أنحائها، وفي الساعة الثانية عشرة من الغد ركبنا إلى ( مكناسة ) ومررنا بطريقنا على بعض القرى من قرية أهل ( تاسكارت ) وأهل ( مريرت ) وأهل ( الهرى ) والجميع من الشرفاء العلويين، ولكن تحت ضغط وإرهاق أولاد محمد بن حمو أمهروق وأخيه الحسن الزياني، وتحت سيطرتهم وقد أخبرت أنهم انتزعوا من هؤلاء الأشراف جميع أملاكهم، فلم يتركوا لهم 411/3
412/3 خفا ولا حافزا، حتى أنهم يستخدمونهم، ويعاملونهم معاملة الأنعام في حمل الأثقال والاشتغال بنقل الأزبال، وصاروا بذلك في غاية من الاستخفاف وتبديل الأحوال، فإذا طال بهم هذا الحال نحو عشر سنين، فإنهم سيندمجون في جملة تلك البرابر الهمجية، بلا دنيا ولا دين، فلا حول ولا قوة إلا بالله وقد خاطبت منهم حين وصولي رجلا ممن ينتمي إلى العلم، فوجدت عنده من الإدراك ما يناسبه، غير أنه قد اشتكى مما ذكرناه بما يفتت الأكباد، ولا يطيقه الجماد، فإنا لله وإنا إليه راجعون.