الصفحة 1801 من 9223

لا شك أن سنوات 1328هـ سنوات قاتمة الجو من ناحية السياسة المغربية , فهناك احتلال البيضاء وهو حادث عظيم الواقع على المغرب , ارتجفت له كل الفرائص , وتشنجت له كل الأعصاب ثم ثورة مولاي عبد الحفيظ , فكان الناس يبنون عليها آمالا عظيمة ردت بعض السكون و الطمأنينة إلى الأفئدة , ولا سيما حين انتصر على أبي حمارة الزرهوني , فظن الناس أن الدولة الحفيظية دولة راسخة , يمكن أن يعتمد على سياجها الذي يحسبه الناس منيعا سميكا لا يتخطى ولا ينفذ فيه , ولكن سرعان ما انهار ذلك يوم طوقت فاس بالحصار البربري المشهور , فازدادت أرجاء المغرب وأوصاله تفككا , فرجعت المخاوف جذعة إلى النفوس و فساد القلق فصار الناس لإحساسهم بموقع المغرب بين الدول العظام التي تتجاذبه يقلبون أبصارهم في الأفق , لعلهم يرون بارقة جديدة يمكن أن ترد السكينة إلى القلوب ولو إلى حين , ثم زاد الجو اعتكارا بدعاية سيئة ينشرها المغرضون المندسون من جواسيس العدو عن شخصية مولاي عبد الحفيظ , من انه - وحاشاه - ذو جبروت و إلحاد واستهتار ونبذ لشرائع الدين , فأثرت تلك الدعاية الكاذبة في الشعب الجاهل الغر المتدين بالجهل , الغافل عن سنن الكون , وعما يتطلبه هذا العصر من القوة و العقل الحصيف ,وكأنه يجهل ما لرجال الدولة العلوية من الغيرة على الأخلاق والدين والمغرب , فتحت هذه الدياجى الكثيفة الظلام صار الأعراب يتناجون في أخبيتهم في ( تيزنيت ) فيرون من أنفسهم مقدرة على إنقاذ الموقف , ويتصورون أنهم يقفون في ميادين الأبطال وأنهم أهل للبروز بجمع كلمة الأمة ببركة الشيخ الذي ينتمون إليه رضي الله عنه , ولهذا الإيمان العميق في القوم أمكن استغلالهم من حيث لا يشعرون , ولم يكن أهل النظر البعيد من السوسيين يرون لهؤلاء السادة الأفاضل هذه المكانة , فقد رأيت عند 103/4

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت