فهرس الكتاب
152/4 قال فوصلنا أمام دار المخزن فوجدنا الأعراب يتجمهرون بخيولهم، وقد وقفوا هنالك، وقد طلع الفجر وبدأ الأسفار فصلى بعض الناس بإمامة بعض الأعراب قال فالتفت فإذا بالرئيس سيدي محمد بن عبد الرحمن الجسيمي قد خرج مع كل أصحابه ببغالهم وخيولهم وأثقالهم، وزعم الحاكي أنه ما أتى حتى أحرق فساطيطه التي لا يمكن أن يحملها، قال فسألني عن سيدي محمد الخليفة - يعني الأخ - فقلت له ها هو ذا واقفا، فأرسلني إليه فأخبره أن الناس يهربون، وأنه هو بنفسه قد جمع متاعه، ثم قال له أما أنت فلا نفارقك منذ الآن، فانفتل سيدي محمد بن أحمد التيزنيتي، وهو على فرس عداء، يجري بها من هناك حتى دخل الباهية، فوجد طائفة الفقراء قد صلوا الصبح، فاشتغلوا بالذكر على عادتهم فصاح فيهم، قوموا قوموا، فإن الناس كلهم هاربون، فأجفل الجميع، فصار أصحاب البهائم يجمعون الأثقال بسرعة، وقد قيض لهم إنسان حاذق مارس الجيوش والأسفار مع ساداتنا الملوك العلويين (وهو الفقير محمد الحجار المراكشي من أصحاب الشيخ) فقال لهم إن أول ما تعتنون به هو الزاد، فإنه أول ما يتوقف عليه المنهزم، فامتثلوا ذلك، فملأوا البغال بالزاد، وأواني الطبخ، ثم مال الفقراء الماشون إلى الأواني والأمتعة الباقية، فوضع كل واحد منهم يده على شيء، وكان سيدي سعيد التناني أثبت من هنالك جأشا، وأربطهم قلبا، يدور عليهم ويحثهم أن لا يبقوا شيئا، فكان آخر من خرج من الباهية بعد أن لم يبق شيء من المتاع، وقد حكى لي رحمه الله أنه بمجرد ما خرج من هنالك مشى بتؤدة، فكأنه أحد الحضريين، وكانت سحنته وهيئته تشبه أهل الحضر، فبقى هنالك عند بعض الفقراء الفاسيين وهو الحاج العربي برادة، ثم انتقل إلى الزاوية الرميلية إلى أن سكن الحال بعد أيام، فخرج مع القائد جُرْمَا، وأما غيره من 85 من الفقراء فقد خرج الكل في ذلك الصباح مع الناس فارين مبعثرين في الطرق، وقد تشتتوا، وكان ذلك اليوم أول يوم تمزق فيه شمل