فهرس الكتاب
150/1 اتشحت الربا بالأزهار وبرزت الأرض في برد موشى قشيب, فشاهدنا ونحن صبية صغار جنازة مضى بها أهل القرية فسمعنا من يقول: إنها للفقيه سيدي محمد بن بلقاسم, وقد أدركت من مباحثته أن تلك السنة ربما كانت 1289 هثم حكى لي أيضاـ وقد سألته عما يسمعه من عند أهله عنهـ قيل لهذا الفقيه: لماذا نرى المتخاصمين يتناطحون ويتشاكسون ويترامى بعضهم على بعض, فإذا جلسوا إليك لا يلبثون أن يرجعوا في هدوء وسكون؟ ماذا تصنع بهم حتى تفثأ شرتهم, وتسكن من حدتهم؟ فقال: إذا جلس المتخاصمان إلي فلا يخلوان معا من أحد أمرين: إما أن ينقادا معا لحكم الشريعة, ويتبعان الحكم الذي أحكم به عليهما, فيقومان حامدين شاكرين, وقد أدرك صاحب الغلط منهما غلطه, وإما أن يلد أحدهما والآخر ممن يتحمل الصبر, فيستحيي مني, فإنني أكلفه أن يتنازل عن بعض حقه فيخرجان راضيين معا, فقيل له: وأما إذا كانا معا من ذوي الإلداد, وذوي الصمم عما تقول وممن لا يستحيي منك ولا يهتبل بمقامك, فقال: إذا كانا كذلك فإني أعالجهما بالتي هي أحسن حتى أصرفهما عني, وكل ما أتطلبه منهما أن يهدآ حتى يبتعدا عن مجلسي, قلت: هذه السياسة التي أوتيها هي لا ريب التي رفعت من شأنه, وأعلت من مقامه, وأسالت إليه البطاح بأعناق المطايا, فإن الأخلاق الحسنة ملاك العلم ونخاعه الذي به يقوم صلبه وكان من عادته أنه يأخذ ممن له الحق حظا يتفاوضان عليه وقد أدرك من العلماء من يقولون: إن قضاة البادية الذين لا يتوصلون بحقهم من بيت المال وقد انتصبوا للقضاء ويمضون فيه جل أوقاتهم في مراجعة المسألة ومحاسبة وكتابة وتتبع الرسوم لا بد لهم من أجرة, وأولى من يعطيها من صحت له القضية, وفاز فيها, هذا قول بعضهم (1)
(1) لعبد الرحمن الجشتمي:
لنا أسوة بالأقدمين شيوخنا *** فكم أخذوا أجر الفتاوى وقد أغلوا