الصفحة 1891 من 9223

حكى لي الرئيس سيدي محمد بن عبد الرحمن الكسيمي أنه كان إذ ذاك في قبة كبيرة مفعمة بالرؤساء في تارودانت، ومن بينهم الفقيه الحاج عابد، فظل أيضا يبدئ ويعيد في الحكايات المنهضة، وإن كانت مؤسسة في الغالب على المنامات والكشوفات، وهي كلها ترمي إلى أن أمر الهيبة من عند الله، فإنه لابد تام رغم كل ما وقع، فصار يتدفق بذلك ما شاء الله، والكل ساكتون، قال: حتى فاض ما في صدري، فلم أقدر أنا أن أسكت، فقلت له أيها الفقيه، هذا بعينه هو ما كنا نسمعه منك قبل أن نذهب إلى مراكش، وكنا جميعا نصدقك، فذهبنا ولكنك أنت تخلفت عنا، فوقع لنا ما وقع، فتمزقت أمتعتنا، وهتكت أعراضنا، ثم بعد ذلك كله لم نزل اليوم على ما نحن عليه، ولكنك أنت لم تصب معنا بمس شوكة، فقد اقطعت عنا يوم نتسرب وراء أمسكروض، فذهبت مرتاح البال والبدن إلى دارك، وفي اليوم جيئت أيضا تقول ما تقول، فلا والله لا نصدقك ما دمنا لا نرى منك إلا أقوالا فقط لا تدعمها أفعال، قال: قلت له ذلك، ففرح بقولي كل من حضر، وجزوني خيرا لأنهم ملوا من أصحاب الأقواب، والوقت عصيب يقتضي أصحاب أفعال.

كانت أمثال هذه الحكاية ذكرت في ترجمة الحاج عابد، بمثل هذا المعنى وإنما أعدناها هنا لمناسبة المقام لها، لندرك أن الهيبة وأصحابه ومن إليهم قد بدلوا مواقفهم بعد الانهزام، فتنبهوا من ذلك التنويم المغناطيسي، فأدركوا أن الذي يتطلبونه لا يمكن الحلم به إلا لذي قوة ومجاذبة، لعله ينال بعضه، فأما سبحة الهيبة التي مدها لشيخنا الدكالي، وقال له بهذه افتح القاهرة ودمشق، فقد غودرت إزاء الطرطور المغادر في قصبة مراكش، فإن لم تبق إزاء الطرطور حقيقة، فقد بقيت معانيها حقيقة، ثم إن الهيبة أرسل الأخ مع أصحابه إلى قبيلة (إداوزيكي) ، فرابط هناك، وقد جلس أعراب مع أصحاب الأخ في نازلة (تارجانت نيت موسى) يتوصلون برسم 167/4

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت