فهرس الكتاب
زار الشيخ سيدي المدني الناصري تلك السنة إلغ, فنزل بالأستاذ, وإذ كان لا بد من شكوى إلى ذي مروءة يواسي أو يسلي أو يتوجع, نفض الأستاذ شكواه إلى ضيفه فقال له وعيناه مغرورقتان بالدموعـ كما حكى من حضر ـ: إنني يا سيدي كنت شيدت هذه المدرسة لتعمر, وأهاب السعد أولا بالطلبة إليها, حتى إذا توافروا وألفناهم وألفونا اضطرتنا هذه السنة العجفاء أن نأمر بعضهم بمغادرتها وصدورنا تتأجج أسفا, فكان السعد الذي كان إزاءنا أولا قد طلقنا اليوم, وكأن الله لم يرد عمارة مدرستنا هذه, لنرى بأعيننا كيف خاب في أيدينا رجاؤنا فهداه الشيخ بكلمات مسح بها بعض ما ألم به, ثم قال له: قم بنا إلى هرى المدرسة, فمد الشيخ يده إلى حفنة فبارك فيها فقال له: لا تخف منذ اليوم أن يخلو هذا الهرى من الشعير, فإن كل الأولياء يباركون فيه بعدما باركه رسول الله صلى الله عليه وسلم, ومثلك لا يخيب له رجاء, ما دام قصدك حسناـ فشجعه الشيخ بكلام آخر كثير.
ثم ما دارت الدورة السنوية حتى انجابت الغمة, وانكشفت الغمام وألقى الخصب بجرانه في إلغ, وقد كان الناس تكلفوا ما أطاقوه من حرث والأستاذ بينهم بلغ في ذلك جهده, فأفاء عليه محصوله تلك السنة ما يناهز ألف غرارة فيما يقال, فافعوعمت مخازنه ومخازن المدرسة بالخيرات التي فاضت إليها من ربها ومن أعشار الناس, فراجع الطلبة المودعون مدرستهم واتبعهم آخرون فسارت المدرسة في طريقها, وانطوت تلك المسغبة الشديدة 168/1
169/1 عن الناس, فأقال الله عثرة الأستاذ بصدق نيته وحسن طويته, ومن كان لله كان الله له.
العثرة الثانية: