فهرس الكتاب
يدرك سمو هذه الهمة الفذة التي هي كلها تطلع إلى المرتبة العليا التي لا يعلى عليها, وبرهن على هذه العبقرية كل برهنة ما حكاه العم أن الأستاذ علي بن عبد الله صنو صاحب الترجمة كان يقول للأستاذ حين أقبل على تشييد المدرسة كل إقبال: ما نصنع نحن بمدرسة جديدة, والمدارس المبنية في القبائل كثيرة جدا, وما يعمرها إلا أمثالنا, ولا توصد أبوابها دوننا؟ فبأي شيء تقوم هذه المدرسة اليوم أو بعد اليوم؟ مع أن المدارس لا تقوم إلا بمعاونة قبيلة من القبائل, فقال له الأستاذ: ما بنيت هذه المدرسة إلا لأجرب هممنا لأعرف أنحن رجال مقتدرون أم لا, ولكي يعرف الناس بعد من أنت؟ هل أنت رجل مقتدر نهاض بالعظائم, أو أنت خائر العزيمة ممن يردهم خيال ويرهبهم ظل, ويتطايرون بنفخة واحدة أدراج الرياح؟
هذه هي همة الأستاذ, وهذه مقدرته التي برهن عليها بفعله وقوله, ولكن ربما يحسب بعض القراء أن التجارب التي اكتسبها من عمل طويل, وأن الدروس التي تلقاها من عقود كثيرة مرت به هي التي شحذت همته, وأرته أنه لا يفوز في الحياة إلا المقدمون المغامرون, فتكون تجارب شبيبته وكهولته هي التي أوحت إليه الفكرة العليا التي ينفذها في شيخوخته, ولكن كم يطول عجبه إن عرف أن هذه الهمة النافذة, وأن هذه الأعمال الخالدة, وأن هذا الإقدام الذي لا يلتوي إنما ذلك من شاب نشيط مغامر تواق إلى المعالي, وأنه ودع هذه الحياة قبل أن يتسلق قمة العقد الرابع, فلئن كان الأستاذ يحيى النووى, والفاتح الشهير إسكندر المقدوني, قاما بما قاما به فيما يقارب هذه السن, فإن لهذا الأستاذ من الأعمال التي يتأتى لمن كان في وسطه أن يقوم بها ما يزاحمهما به في شرفهما هذا بمنكب عريض مع مراعاة الأزمنة والأمكنة, وما يمكن في كل عصر, وما صاحبنا إلا صنو سيدي يبورك بن عبد الله بن يعقوب السملالي في همته وفي علمه وفي قصر عمره.