فهرس الكتاب
وبعد, فاعلم يا ولدي أرشدك الله وسددك, وأعانك على الاستقامة وبالصفاء أيدك, أن النهايات على قدر البدايات, وحمد البداية إنما هو بكمال الأدب مع الله تبارك وتعالى سرا وجهرا بامتثال أمره واجتناب نهيه, ومع رسول الله صلى الله عليه وسلم باتباع سنته وخدمة ملته, وكمال التواضع لسائر أمته, بحيث يرى العبد سائر المسلمين أشقاءه من هذا الأب الديني صلى الله عليه وسلم, ويقصد بذلك إقرار عين النبي صلى الله عليه وسلم, وطاعة من هم من خير عبيده سبحانه, ولا سيما الإخوان المذاكرين الذين ينتفع المرء بمجالستهم, ويزداد علما بمدارستهم, فحقهم آكد وآكد, وقد كنت أحببت القيام على هذه القدم لسائر الإخوان, وأدعو الله لهم بذلك في كل وقت وأوان 177/1
178/1 ولكن كمال بنوتي لوالدك أدرجه الله في مدارج العرفان, وجعله في عالم البرزخ مغبوطا لكل فان, يظهر لي أني قصرت في حقك, ويستقل لي ما ادخرت من طيب العلوم في حقك, فتفكرت في وجه يتحقق به كمالك, وتحصل عما قريب إن شاء الله آمالك, فرأيت السبيل إلى ذلك هو كمال الأدب والجد في الطلب, فهما شاهدان عدلان على استحقاق المدعي, غير ملتفت إلى سير غيرك في سيرك, وإذا علمتـ أصلحك الله من أنا ومن أنتـ تستقل كل ما جدت به بعد واجب الأدب ومننت, وإذا علمت أن جدك الصديق رضى الله عنه إنما فاق سائر المسلمين بالصدق الذي وقر في صدره, من تعظيم النبي صلى الله عليه وسلم وقدره, تبلج لك صباح الفلاح, وتيسر لك في هذا الأمر إعمال المفتاح, فتح الله منا ومنك البصائر, وطهر بفضله العميم الظواهر والسرائر, وهو حسبي ونعم الوكيل, ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم, والسلام عليكم.