الصفحة 2347 من 9223

ومن أخلاقه علو الهمة والقناعة حتى أنه لم يمد يده إلى أحد مستسلفًا وذلك غريب في بيئته، وكان يحب معالي الأمور في كل شيء، وقد شاهد في زاوية الشيخ الألغي بناء معوجًا متراكم الأحجار بناه الفقراء المختلطون، ولم يتقنوا الصنعة، فقال للشيخ، وقد شاهد الفقراء يلتون عصيدة في جفان كبار كالجوابي هذه العصيدة أفضل عندي من هذا البناء ثم راح إلى دار الأستاذ سيدي علي بن عبد الله فشاهد بناء متقنًا مسوى، فقال منشدًا للبيت المشهور:

هكذا هكذا وإلا فلالا *** طرق الجد غير طرق المزاح

وببركة علو همته وكرمه ومده للسماط الكل وارد وصادر فاضت عليه الخيرات في حياته فيضًا غريبًا حتى أنه في وقت يأتي الزائرون بالسمن حتى صادفت الحالة يومًا أن امتلأت كل الأواني الموجودة فأمر بغسل محل مجصص من جانب ثوى الدار فيفرغ فيه بعد ذلك ما أتى حتى تكوم منه كثير، وكان الوقت وقت شتاء فبقي هناك حتى تيسرت له أوان أخرى وهذه حكاية محققة، وقد بلغ عند أهل جبال «ولتيتة» مقامًا في التعظيم لا يطمع في أعلى منه وهو مع كل ذلك لا يتحلى بناموس ولا يعرف التظاهر بما ليس فيه، وقد شاخ في آخر عمره مع أنه لم يسن كثيرًا وعجز عن الوصول إلى المدرسة وبينها وبين داره شعبة فشارط فيها تلميذه الأستاذ سيدي محمد بن عمرو ، فكان الطلبة يردون عليه في الدار فيقرئهم التفسير والحديث والأصول والبيان وعهدي به إذ ذاك، وقد أزرنا الشيخ الوالد في داره وهو يستند إلى ركن في قبة هناك قلمًا يتجاوزه فانطبعت صورته في ذهني إلى الآن، وقد رأيته مكبًّا على المطالعة والكتب تقرب إليه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت