فهرس الكتاب
كيف يمكن اليوم لمثلي أن يجلو على أنظار هذا العصر صفحة نقية من التصوف الخالي من الرياء والشعوذة والإفك والبهتان, كما يعرف به كل الناس الشيخ الوالد رحمه الله, ثم يجد من ينصف ويزن بالقسطاس المستقيم ويتأنى حتى يدرك معي ما أدركته قبل أن يخزني بحمة عذله, أو يصل إلي وإلى من أرسل في ترجمته يراعي بنبله, فإن هذا العصر وأهله خلقوا من العجلة ومن السير السريع, واقتبست عقولهم من سرعة السيارة والطيارة, فصاروا يحكمون لأول نظرة, ثم لا يتهمون أنفسهم في أحكامهم, وإن أتيتهم بعد ذلك بألف دليل وبرهان.
لكني رغم كل هذا أقدم على ترجمة هذا الصوفي الكبير, فأتمشى رويدا رويدا, وأستقرئ حياته من عهده بالمهد إلى أن وورى في اللحد, وسأؤيد ما 184/1
185/1 أسوقه باستقصائه واستقائه من أصفى موارده, وسأجعل نفسي حرا فيما أقول, وأجهر بالحقيقة التي أعرفها رضي من رضي وسخط من سخط, جهر من يقول ما عرفه كما عرفه من غير مجمجة ولا تورية.
إنني الآن كمؤرخ يجب علي أن أصدع بالذي أعلمه, وأشيد به للتاريخ, فأوجز إن اقتضى المقام الإيجاز, وأطنب إن استدعى الحال الإطناب, وأجعل في ذلك رائدي ضميرا أبيا حرا لا يغمط الحقائق خوف أن يتهم بالتحيز, ولا يقبل كل ما يحشره من يهرف بما لا يعرف إلا بتثبت وتبصر وتأن, ووزن بميزان العقل الذي فضل الله به ابن آدم, ثم ما قصر عنه عقلي واعترفت فيما بيني وبين نفسي أن يدي تقصر دونه, فإني أسوقه إن ثبت عندي وقوعه فأدعه بين يدي القارئ فله أن يقبله وله أن يرده, ورضى الناس غاية لا تدرك.
ثم إنه يجب على كل مؤرخ أن لا يهتبل بآراء بعض أبناء هذا العصر من شذاذ الأفكار الذين يأبى لهم حولهم إلا أن يجعلوا تخيلا كل ما رأوه شيئين اثنين ثم لا يزالون يترددون بينهما حتى تضيع الحقائق وتشتبه السبل, فإن هؤلاء من أنصاف العقلاء الذين لا ينبغي اعتبارهم وإن كانوا يتوهمون عند أنفسهم أنهم وحدهم عقلاء العالم.