الصفحة 248 من 9223

حدث صاحب الترجمة عن نفسه قال: مررت أنا وصاحب لي بالشيخ سيدي سعيد ونحن فارغوا البال, ولم نعرج إليه, وهو جالس في مكان منتبذ عن الطريق فرأيناه يحد إلينا بصره, فذهبنا لحال سبيلنا, ثم في العشي ساقنا إليه سائق السعد فأخذنا عنه الطريقة, فقال لي بعد ذلك: إن تلك النظرة الأولى هي التي فيها ما فيها, ثم حدث من كان جالسا مع الشيخ سيدي سعيد حين مر به صاحب الترجمة مع صاحبه إذ ذاك فقال: إن الشيخ اتبعهما بصره مليا, ثم قال: إن هذه الذات نيرة, فما أليقها بسر معرفة الله تعالى, وفي بعض رسائل المترجم ما نصه:

(وقد كنت حين لقنني شيخي مستغرقا فيهـ أي الذكرـ من ذلك الوقت قبل قيامي من بين يديه وبعده, وليس لي شغل سواه قياما وقعودا وعلى جنبي حتى إنني لا أقدر أن أقطعه حتى في حال الأكل إلى أن صار خادما من غير إرادتي, 189/1

190/1 فكل نفس يعلو أو يهوي يكون معه) انتهى المقصود.

ثم لم يمض عن صاحب الترجمة إلا ثلاثة أيام مع شيخه في بعض قرى تانكرت حتى أصابه ما يسميه الصوفية في اصطلاحهم بالجذب, قالوا: يعتري من فاجأ روحه ما لم تستأنس به بعد, فتغمره موجة تيارة فيغان على عقله, فلازمه ذلك أياما وقد فقد شعوره, وانقطع عن الأكل والشرب, وإذا ألعقه من معه شيئا من الحليب لا يلبث أن يجيش فيقذفه, وقد غلبت الحرارة على بدنه حتى إنهم يغطسونه في نطفية ماء بارد ثم لا يزيده ذلك إلا التهابا, ثم بعد لأي أفاق من غشيته, واسترد شعوره, فصار الكون كلهـ كما قالـ أمام عينيه هباء في هباء, وقد ألم بهذا كله في بعض رسائله, كما ألم به أيضا في رحلته الحجازية إذ قال فيها:

قد كنت في غياهب الغباوة *** على شفا يورثني الشقاوة

وكنت صديان إلى دليل *** يهدي إلى معرفة الجليل

يجلو لي القلب لكي أنالا *** في نيل معرفته الكمالا

فيستوي الجلال والجمال *** لدي والنقصان والكمال

وتصبح الأقوال والأفعال *** بالله والأوصاف والأحوال

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت