الصفحة 251 من 9223

إن كل من لم يخالط هؤلاء الصوفية ولم يعرف أذواقهم, يحمل كل ما يسمعه عنهم على الإفك والبهتان والمخرقة والتدجيل والشعوذة, ويخلط بينهم جميعا في ذلك ولا يفرق بين الصادق والكاذب, ولكن من خالطهم واستطاع أن يميز أفعال الصادقين من الكاذبين منهم, فإنه يشاهد منهم من الوقوف مع السنة إلا فيما غلبوا فيه على أحوالهم أو جهلوه ما يتيقن به أنهم هم وحدهم الفائزون بالاطلاع على دقائق الدين وحلاوة الإيمان, وأنه إن لم يكن العارفون منهم من رجالات هذه الأمة فلا رجال لها بعد, وقد كنت أنا وصاحبي الأستاذ محمد الغازي المكناسي كثيرا ما نتذاكر حول هذا, ثم نجيل أعيننا في بعض أبناء اليوم الذين يخبطون خبط عشواء في الصوفية من غير أن يعرفوا عنهم ما يقبلون ولا ما يردون, حتى إن فيهم من ينكر الاشتغال بلا إله إلا الله, والعياذ بالله فكنا لا نتجاوز أن نقول فيما بيننا: من جهل شيئا عاداه, ثم نرجع فنعذرهم بسبب ما نراه عن إيماننا وعن شمائلنا من كثرة الأفاكين الذين تصدوا في منصات الزوايا, على حين أن بعضهم يحكى عنه أنه لا يغتسل من الجنابة, وأنه.... وأنه.... مما هو متواتر عنه.

ثم ما هذا الذي اختص به هؤلاء الصادقون من الصوفية ولا يوجد إلا في أيديهم ثم لا يكاد منصف من ذوي المناصب يتذوقه من عندهم حتى تراه قد أعرض 191/1

192/1 عن كل شيء ونفض يده من فخفخة منصبه, ثم لا يطيب له العيش إلا بانقطاع إليهم؟

ما هذا الذي يبهر من يكون أعظم منكر على هؤلاء الفقراء الصادقين ثم يتهافت عليهم بعد ذلك مستسلما تهافت النحلة على خابية العسل ثم لا تبالي إن كانت في بطن الخابية من المغرقين؟

ما هذا الذي يشاهده من كان خاض في فنون العلوم المختلفة خوض الفهمين اللبقين ثم لا يلبث بعد أن يلتقي مع أحد هؤلاء الناس أن يعلن أنه ما ذاق قط حلاوة يثلج بها الصدر, ويطمئن لها القلب, مثل ما ذاقه حين التقائه بأحد هؤلاء القوم؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت