فهرس الكتاب
ما هذا العلم الذي قال فيه بعض كبار العارفين: من لم يتغلغل في علمنا هذا ثم مات مات مصرا على الكبائر وهو لا يشعر؟
من هم هؤلاء المشايخ الذين ينبغون فينة بعد فينة, وربما كانوا أميين ثم لا يكاد يتصل بأحدهم من كان يعرف في نفسه رياء وسمعة وثقل أعمال الخير, حتى يعود كثوب مر تحت يد القصار أبيض براقا يتلألأ نورا ويتشعشع هداية وإخلاصا ويستقيم في أعماله ومعاملاته حتى كأنه معصوم؟
لا أكذبك أيها القارئ, فإني لم أدرك من كل هذا إلا شيئا واحدا أيقنته من نفسي, وهو أنني إذا كنت مع هؤلاء الصوفية, بشرط أن يكونوا الصوفية الصادقين, كمن أعرفهم, أجدني لين القلب, مائلا إلى الإخلاص وإلى التواضع والعبودية خلاف ما أكون عليه حينما أكون بين يدي غيرهم, وهب هذا الغير من الأساتذة المحدثين الذين يملئون المسامع بقال الله وقال الرسول, ويزفرون زفرات الغيرة على هذا الدين الحنيف مع أنني في مبدئي إخالني على قدم هؤلاء الأساتذة الأجلاء, ولكني مع ذلك لا يجد قلبي عندهم ما يجده عند الآخرين, فهذا كل ما أدركه من نفسي, ولا علي في غيري.
ذاق صاحب الترجمة من بين يدي شيخه الجديد ما ذاق, وحصل له في تلك الأيام الثلاثة ما حصل, مما لم ينل ذرة منهـ كما قال في رسالته المتقدمةـ من مجاهدات كثيرة كان مشغولا بها قبل ذلك, فعلقت أجنحته بصحبة شيخه فلم يطق أن يفارقه, فنسي الجار والمجرور وأبواب البيوع, وجداول المناسخات فأتى ما نسخ حبه الجديد ما كان يجول حبه في قلبه قبل اليوم.
محا حبها الألى كن قبلها *** وحلت محلا لم يكن حل من قبل
وصل الخبر إلى الإلغيين بأن صاحب الترجمة مر به الدرقاويون أولئك الذين لا يلبسون إلا المرقعات ويتطوقون بسبحات كبيرة غليظة, ثم لا يكون شأنهم إلا التقلب في مختلف البلاد.
يوما بحزوى ويوما بالعقيق ويو *** ما بالعذيب ويوما بالخليصاء