الصفحة 254 من 9223

حاول الوالد أن يسمع من ولده كلمة واحدة تخرج من فيه منذ لاقاه ولكنه لا يعدو أمامه إطراق الرأس وضم الشفتين, وذلك ما يسمى في اصطلاح الصوفية الصمت, وقد كان صاحب الترجمة تلقى من شيخه ذكر الاسم الأعظم (الله) من أول يوم مع شروطه التي هي الصمت, والعزلة, وهجر النوم, والإقلال من الطعام, فأقبل على كل ذلك وابتدأ في ذكر اسم الله وهو لا يزال بين يدي شيخه في المجلس الأولـ كما ذكره هو عن نفسه فيما سقناه قبل من رسالة لهـ لهذا لم يجد منه والده ما كان يألفه منه من المحادثة, ولكنه أكثر عليه وهما مترادفان فكأنه أضجره فكان ذلك سبب هذه المحاورة اللطيفة, قال الوالد: بالله عليك يا ولدي ماذا رأيت في هذه الطريقة الجدية التي اعتنقتها وهي طريقة حديثة العهد في بلادنا هذه وما كنا نعهدها في بلادنا هذه, وما كنا نعهد إلا الطريقة الناصرية فيه التي نألفها ويألفها آباؤنا وأجدادنا, أو ليس بعجيب أن يخرج الإنسان عن المعتاد مع أن الناس يقولون: العاقل يتبع الناس, والأحمق يتبع الناس, فقال له الولد: وماذا ظهر لك أنت يا والدي في البيع والشراء في القطران الذي تأتي به من قبيلة أيت رخا وتسافر به إلى قبيلة آيت صواب حتى تبيعه؟ وهل كان المعتاد في أهالينا الاتجار بالقطران؟ وهل كان آباؤنا وأجدادنا يعرفون ذلك؟ أوليس أيضا بعيب أن يزاول الإنسان ما ليس معتادا عند أهله مزاولته؟ فقال له الوالد: إنني يا ولدي اخترت هذه التجارة لقلة رأس مالها ولكثرة ربحها, فإنني بذلك القطران أملأ دارنا لوزا وتينا وزبيبا مما أستبدله به في قبيلة آيت صواب, فهذا يا ولدي ما حملني على اختيار القطران, ومخالفة عادة أهلنا في ذلك, فقال له الولد: إن مثل هذه الطريقة الدرقاوية عندي مثل هذا القطران عندك, فإن العمل فيها أيضا قليل وما يجده القلب من ورائها كثير, ولا ينبئك مثل خبير.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت