الصفحة 258 من 9223

196/1 قلت: إن الصوفية يقولون: إن من الأحوال التي تعتري من يترقى في المقامات أنه يحل مقاما يسمونه (مقام البسط) فيغلب عليه البشر وكثرة الكلام حتى ليعده من لا يعرف حاله من أهل الهذيان, ثم إن تجاوز ذلك المقام انطوى عنه ذلك البساط, ثم لا يزال تنقلب به الأحوال واختلاف المقامات حتى يتمكن, فبعد ذلك يصير حاله دائما لا يتأثر بأي شيء, هذا ما يقولونه نحكيه عنهم وأهل مكة أدرى بشعابها.

وحدثني سيدي إبراهيم بن صالح قال: رأيت في حين ونحن بالمدرسة الأدوزية سيدي عليا إكرام كثير البكاء والزفرات بسبب وبلا سبب, وكثيرا ما ألقاه بغتة فأجده على هذه الحال, فتحينته يوما حتى كان في بيته فدخلت عليه وأنا أقول في نفسي: إنه بلا شك رأى النبي صلى الله عليه وسلم فاستهواه الشوق فدام عليه, وهذا أفضل من يواخيه الإنسان في الله, فسلمت عليه فقلت: إن طلبتي عندك أن نعقد الأخوة بيننا لله, والناجي منا يأخذ بيد صاحبه, قال: فما كاد يسمع ذلك حتى أجهش بالبكاء ثانيا وغلب على حاله حتى رحمته, ورأيته لا يجيبني بكلام فخرجت فتركته, وفي يوم من الأيام استدعاني, فقال: اليوم نعقد ذلك العقد الذي طلبته مني ذلك النهار, فهذا ما عرفناه عنه رحمه الله وهو في أدوز, ولولا سيدي عمر الأكضييي, وسيدي إبراهيم لجهلنا كثيرا من أحواله في تلك المدرسة, كما جهلناها في المدارس الأخرى.

سافر الأستاذ سيدي محمد بن العربي إلى الحمراء, وصاحب الترجمة يدرس مع بعض الطلبة, ثم بدا له فالتحق بأهله, فركب على بغلتهم فالتحق أيضا بمراكش, وقد مكنه والده دارهم يشتري بها ما يريده من الكتب, ولكنه لم يشتر إلا قاموسا من المطبعة الحجرية القديمة, وقال: هذا كل ما أحتاج إليه, ثم اشترى لأهله ما يعوزهم ببقية الدراهم (وهذه النسخة لا تزال عندنا) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت