الصفحة 2584 من 9223

ولما قدمنا معه فاس عام واحد وسبعين ومائة وألف، بدعاء السلطان التقي النقي سيدي محمد ابن مولانا عبد الله ابن مولانا إسماعيل الشهير الزكي، فإنه كتب مرارًا للشيخ بما صورته: (نرغب من فضلك أن تمن علينا بالقدوم إلينا لنتبرك بلقائك وزيارتك والأخذ عنك، فإن حالنا ثقيل كما تعلم، ولا يمكننا القدوم إليك مع غاية اشتياقنا إلى لقائك) جعل من وجدنا بفاس من العلماء الرؤساء الأكياس يترددون إلى الشيخ بالإكرام والزيارة ويأخذون عنه وينسخون أسانيده ويطلبون إجازته، فيجيزهم ويجيبهم لما أرادوا منه رضي الله عن جميعهم، وأكبر من لقيناه هناك سنّاَ، السيد محمد جسوس شارح مختصر الشيخ خليل، أتى الشيخ بشرحه كله وهو في عدة أسفار، فقال للشيخ: أريد أن تتصفح ما أمكنك منه، فإن أعجبك أخرجته، وإلا تركته وسترته، وكنت أريد إرساله إليك لتنظر فيه، فقال له الشيخ بعد مطالعة بعضه: تقبل الله عملك وبارك فيه، فإنه ديوان علم جمعت فيه ما لا يوجد مجموعًا إلا فيه.

وأخذ عن الشيخ حينئذ السيد محمد بن سودة التاودي، والسيد محمد بناني، والعلامة الأديب المتفنن السيد عمر الفاسي، والقاضي السيد عبد القادر بوخريص، والسيد عبد الوهاب بن أحمد خطيب جامع القرويين، وغيرهم، وأجاز من طلب منه الإجازة منهم، ورووا عنه ما أرادوا سماعه منه.

ثم ارتحلنا لمكناسة لأن السلطان بها يومئذ، فلما بلّغناه فرح بالشيخ فرحًا عظيمًا، وتأدب معه تأدبًا جسيمًا، وأكرمنا إكرامًا لا يطيقه من كان يُدْعى من الناس كريمًا، وقرأ عليه جُلّ الموطأ وبعض صحيح البخاري وصحيح مسلم وغيرهما، وأخذ عن الشيخ جميع من بمكناسة وقتئذ من الفقهاء، كالقاضي السيد أبي القاسم العميري؛ والسيد علي بن عبود، والسيد محمد اليمني، والسيد علي التلمساني، وغيرهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت