فهرس الكتاب
حقًّا إننا إذا نظرنا إلى ناحية الأستاذ الجيشتيمي الأدبية نجده من بلغاء أدباء وقته في نظر أمثاله وأمثال والده الذين أتقنوا إلى حد كبير تحصيل الفنون الأدبية كعلم من العلوم التي اتجهوا إلى كثير منها فبَذُّوا فيها سواهم، وقد رأينا كثيرًا من أقرانه السوسيين ممن يزعمون أن لهم في البلاغة يدًا، فلم نر من ينزع منزعه، ولم يفقه في ذلك على ما يظهر لنا إلا شيخنا الإيفراني، على أن لكل واحد منهما روحًا في أدبه اختص بها، فأدب الجيشتيمي أدب ورع غايته التعبير عما يريد بعبارة مبسطة مستوفية للقواعد العلمية في النواحي التي تمسها، متساوي الجناحين لا يسف إسفاف معاصريه، ولا يحلق تحليق الأدباء المتفرغين للأدب والمتخصصين فيه، والمواضيع الأدبية التي يطرقها محصورة في الوعظ والإرشاد والنصح أو دفع الأذى عند حلوله أو توقعه، ولا يخوض في الإخوانيات بمثل ما خاض فيها الآخر، ولعل ورعه في الجريان في الأوصاف الرسمية المتواضع عليها والمطروقة دائمًا في الإخوانيات هو الذي يزعه عن الإكثار فيها، وأما أدب الإيفراني فإنه مع عدم قصور قائله في ميدان الورع هو الأدب حقًّا الذي يلبس لكل حالة لبوسها ويجاري مكامن النفوس وخلجاتها في انطلاق ومرح لا يكون الأدب بدونهما أدبًا، فيجد ويهزل، ويضحك ويبكي، ويتتبع النكات أحيانًا، ويتلفع في شملة أهل الورع الشديد أحيانًا فيحلق حتى لا تكاد الأعين ترى مداره في أجواز السماء، وقلما يبلغ هذه المرتبة إن لم يستعد لها، وربما أسف حتى تكاد رجله تمشي على الثرى فلا يقطع شبرًا فشبرًا إلا بمقدار، على أنه حتى في هذه الحالة يتفوق على أربابها من معاصريه، وأهل بيئته بالسلاسة يتصف بها كل ما يقول، والغالب عليه التوسط وعدم التكلف وإرسال الكلام على عواهنه، وكثيرًا ما يتهاون في الانتخال والاختيار اللهم إلا إذا شعر بأن حواليه أو بالمرصاد له من لا يجدون بدًّا من مد يد النقد إليه، ومن 118/6