فهرس الكتاب
119/6 تقليب وشيه تقليب الفحص والخبرة، ومن الموازنة بين معانيه، فإنه حينئذ يتمخض عن أفصح لسان عرف في الجنوب في هذا العصر، فيطرز حلة يمانية تأخذ بالألباب وتستوقف الأبصار، وقد مر بنا هنا ما قدمه لأستاذه الجيشتيمي مما كان من بواعث إيرادنا له هنا إجادته فيه، كما أن من أدلة ذلك ما يقدمه للشناكطة الصحراويين، فغالبه من الشعر المقبول المنتخب، وفيه العالي جدًّا في بيئته، وذلك لأنهم متضلعون في الاطلاع على فنون الشعر؛ ولأنهم من أساتذته والناقدين له المعلنين عما يرون، ولكلا الشاعرين قصائد نبوية كثيرة يمكن لمن أراد الموازنة بينهما أن يتتبعها حتى يقف على منزع كل واحد منهما، إذ قلما تصدق الموازنة وتؤتي نتائجها إلا إذا كانت في موضوع واحد، ويكثر الزحاف المقبول في بعض ما يقوله الإيفراني.
هذه نظرة تبرهن عن رأيي الخاص في كل من الشاعرين السوسيين الكبيرين، فقد كدت أحكم لشيخنا الإيفراني على صاحبه لولا هذه القصيدة العينية التي ترأى لنا أنها من أفضل قصائد المترجم، فقد قالها في وقت كهولته وقوته لا تزال مجتمع فلنعرضها على القارئ، ولنكتف بها في المختار من شعره، فليعطنا القارئ من التأني والصبر ما يساعده على المرور بها لعله يوافقنا فيما ذهبنا إليه، ولا يمنعنه من ذلك بعض كلمات غريبة ترد فيها؛ لأن القوافي تقتضي ذلك أحيانًا، على أن كلماته الغريبة هذه على قلتها ليست عند العارفين للغة من الحوشي المردود، بل من المأنوس المقبول، قال رحمه الله - وقد فسر بنفسه الألفاظ خصوصًا في القوافي:
*أبعد الذي أسلفت في الروح والدعة ** وخفض معاش في رياض موسعة
*ولا سبب ألفيته لك متعبًا ** ولا حيلة بل فضل ربك وسعه
*وحفظ جناب من حوادث جمة ** أخافت ومما لم تكن متوقعة (1)
*ولا قدرة تلغى لديك أطقت أن ** ترد بها عنك البلاء وتدفعه
*أبعد الذي عاينت ويحك والعيا ** ن ما بعده للعقل في الحكم مقنعة
(1) من توقع الشيء: إذا انتظر وقوعه.