الصفحة 277 من 9223

في صبيحة يوم وقد أطل الفجر على الكائنات فأفاض عليها من أنواره فاستنار كل ما فيها فأقبلت كل الأمهات إلى أبنائها ليزددن بهم قرة عين وبهجة نفس, إلا تلك الأم المرزوءة في عالمها فإنها دخلت عليه البيت لتستجد أيضا من نظراتها إلى ولدها زفرات أخرى متلظية, قالت لي: فما دخلت حتى نادانيـ وهو أول كلام سمعته منهـ يا أماه ما هذا الذي في رجلي؟ فقلت: إنه كبل يا ولدي, فقال: أوهبلتم فلماذا وضعتم علي الكبل؟ وماذا عراني؟ فقلت: آه يا ولدي! إنك يا ولدي جننت فلم نجد بدا من أن نكبلك, فقال: عجبا أو كنت كذلك؟ ولكنني الآن استرددت شعوري, قالت: فثاب إلي من الفرح والسرور ما الله أعلم به, فسرت أسائله حتى تحققت ما قال, فأقبلت مسرعة إلى مطبخ الدار وفيه نساؤنا مشتغلات بالغداء فأعلنت بشراي فارتجت الدار كلها فرحا, فأقبلنا جميعا مستديرين بولدي علي وقد حضر قين القرية فأماط الكبل فأزال كذلك ولدي ما عليه من اللباس الخلق فأتيته بكسوته البيضاء من صندوقي فلبسها وارتدى بردائه ووضع العمامة على رأسه, فأرسلنا إلى الأستاذ الفقيه سيدي محمد بن عبد الله, فحضر عندنا فأقيمت حفلة كبيرة حضرها الجيران والأقارب, فأقبل المهنئون يهنئوننا بشفاء ولدنا, ولكن والده سيدي أحمد لم يزل ملازما للفراش من مرض كان ألم به ثم ازداد بما وقع لولدنا, ففي صباح يوم لعله اليوم الثاني ذهب ليزور الأستاذ سيدي محمد بن عبد الله فلم أشعر حتى هرولت إلي امرأة من القرية فصارت تناديني وصوتها متهدج أنني الآن رأيت ولدك قد استدار بثنية (تالات نيت عيس) ويذكر الهيللة جهرا, وقد ذهب عنك أيضا, قالت: فقامت قيامتي ولم أتحمل الصبر فأهويت ببغلتنا أجوب بها الطريق إلى المعدر لأسترد فلذة كبدي من ذلك الرجل المعدري الذي أفسده علي, قالت: فراح علي الليل في (تيغمي) فبت هناك عند أسرة من معاريفنا, ثم تعقبني من أخبرني بأن زوجي والد أولادي قد خرجت روحه إثر خروجي من الدار, فكنت إذ ذاك

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت