فهرس الكتاب
قضى صاحب الترجمة ما ندبه إليه شيخه ووفاه شروطه المشروطة عند أهل ذلك الفن بكل دقة, فمثل ثانيا بين يدي شيخه وقد انخرط في سلك المتجردين بين يديه, لا يتنفس إلا بإذنه, ولا يلتفت يمنة ولا يسرة إلا بإشارته, وهو طوع يديه كيفما قلبه انقلب, وقديما قال الشاذلي لأستاذه مولاي عبد السلام: إنني اغتسلت من علمي وعملي إلا ما يأتيني على يديك, وقال الجيلاني البغدادي في عينيته المشهورة, يوصى المريد بما يكون عليه عند شيخه:
وكن عنده كالميت عند مغسل *** يقلبه ما شاء وهو مطاوع
وقال الشريشي في رائيته المشهورة:
ومن لم يكن سلب الإرادة وصفه *** فلا يطمعن في شم رائحة الفقر
ومن شروط هؤلاء المريدين أن من قال من المريدين لشيخه منهم لمه؟ لا يفلح أبدا, ومن أجال نظره يعلم أن هذا الشرط يتخذ أساسا في كثير من الجمعيات والتنظيمات كالجندية وشبهها, فلا يختص به الصوفية المربون لأصحابهم, فعلى هذه الوتيرة سار صاحب الترجمة مع شيخه, فيخدمه ويقوم بين يديه ويكفيه مع أولئك المتجردين كل ضروريات زاويته, وكثيرا ما يقول بعد ذلك لتلاميذه حين رجع شيخا مربيا: ليس العجب أن يستسلم الواحد لشيخ يحسبه عالما, وإنما العجب منا نحن الذين استسلمنا لشيخ أمي ثم وفقنا الله فراعيناه بكل أدب والحمد لله, وقد أخبرت أن شيخهم وصلهم يوما في هاجرة تذيب دماغ الضب, وتعشي أعين الحرباء, وهم يحصدون زرعا للزاوية في بسيط المعدر, وقد سالت أصابع من كانوا قبل لا يألفون مزاولة المهن دما 208/1